«إعادة تأسيس الفهم في علوم القرآن» للمهندس محمود راغب الخضري..

نزول القرآن وأسباب النزول. (2-2)

جاء في مناهل العرفان للزرقانى: وصفوة القول أن اللفظ الذي تختلف فيه وجوه القراءات، كانوا يرسمونه بصورة واحدة لا محالة، أما الذي تختلف فيه وجوه القراءات، فإذا كان لا يمكن رسمه في الخط محتملا تلك الوجوه كلها، فإنهم يكتبون برسم يوافق بعض الوجوه في مصحف، ثم يكتبونه برسم آخر يوافق بعض الوجوه الأخرى في مصحف آخر، و الذي دعا الصحابة إلى انتهاج هذه الخطة في رسم المصاحف وكتابتها أنهم تلقوا القرآن عن رسول الله بجميع وجوه قراءاته، وبكافة حروفه التى نزل عليها، فكانت هذه الطريقة أدنى إلى الإحاطة بالقرآن على وجوهه كلها، حتى لا يقال: أنهم أسقطوا شيئا من قراءاته أو منعوا أحدا من القراءة بأي حرف شاء على اعتبار أن جميع القراءات منقولة نقلا متواترا عن النبي صلى الله عليه وسلم.  أسباب نزول القرآن: استأثر البحث في فقه التنزيل باهتمام الكثير من العلماء، ففيها تجلية وتوضيح لحكمة التشريع، خاصة وأنها في بعض الأحيان ضرورية لفهم بعض الأحكام وإزالة لما يبدو من إشكاليات في ظاهر الآيات، ولكن مؤلف الكتاب يقف مع كل هذا وقفة مراجعة، وقد لخص الدكتور فضل حسن عباس الآثار السلبية لروايات أسباب النزول بعد دراسة لما كتب عنها، فذكر في كتابه “ الإتقان في علوم القرآن“ أولا: عبارة سبب النزول لم تكن معروفة في حياة الصحابة والتابعين.  ثانيا: أسباب النزول للآيات والسور المدنية أكثر مما جاء في السور والآيات المكية.  ثالثا: جل روايات أسباب النزول مروية عن إبن عباس رضى الله عنه.  رابعا: بعض ما جاء من أحاديث عن أسباب النزول غير صحيح رواية أو سندا.  خامسا: كثير من الروايات عن أسباب النزول لا يصح دراية، إما لأنه مخالف لأصول الدين وقواعده، وإما لتعارضه مع سياق الآيات.     الملاحظات الثالثة والرابعة والخامسة تظهر أنها لا يمكن أن تكون صحيحة النسبة إلى الصحابي عبدالله بن عباس الذي دعا له الرسول” اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل”، وقد. ذكر الدكتور الذهبي في كتابه “ التفسير والمفسرون “ كيف استهدف الوضاعون ابن عباس بنسبة أحاديث موضوعة له، وذلك لتسهيل الدخول بها على العامة، فنسبتها إلى ابن عباس الرجل الذي نشأ قريبا من بيت النبوة يعزز مصداقيتها دونما فحصها رواية أو دراسة أو سندا. سادسا: هناك روايات مشتهرة لا تصح.  سابعا: هناك روايات صحيحة نازع فيها بعض العلماء مع أنها لا تختلف مع الأصول ولا مع السياق. ألف الإمام الواحدي كتابا يعتبر الأول من حيث التخصص في فقه التنزيل “أسباب نزول القرآن” وقد وضع قاعدة صحيحة: لا يحل القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل، ووقفوا على الأسباب، وبحثوا عن علمها، وعليه فإذا روي سبب النزول وقد تحقق في الرواية وراويها القاعدة السابقة، يصبح المفسر أسير الرواية في فهم المعنى، ويتقيد معنى الحياة بالقصة التى نزلت من أجلها وعليه تصبح معاني القرآن أسيرة لأسباب النزول.  ولكن معظم آيات القرآن ليس لها سبب نزول، والآيات التي لها سبب نزول صحيح الإسناد قليلة جدا نسبة إلى آيات القرآن كلها، نزل القرآن لهداية العالمين خلال تاريخ الحياة البشرية منذ الرسالة المحمدية وحتى تقوم القيامة، ولذا فإن طبيعته تجعل آياته محررة من الزمان والمكان والأشخاص، ولا ينفي هذا أن تأتي بعض الآيات موافقة أو معقبة على حدث ما، كما في مطلع سورة المجادلة التى تتحدث عن الظهار، وهو لم يعد موجودا اليوم، ولكن معظم الآيات تحمل تفسيرها من داخلها دون حاجة لأسباب النزول. وكل هذه الآيات تمنح العلماء المجتهدين القدرة على استنباط الأحكام الفرعية والعامة.   يرى الكاتب أن الصحابة رضوان الله عليهم قد انصرفوا إلى ما يمليه الوحي من أعمال على الرسول، واهتموا بحفظ القرآن وتوثيقه، ونظرا لأنهم عاصروا التنزيل فلم يكن لهم اهتمام بأسباب النزول، ثم انشغلوا بتثبيت أركان الإسلام بعد رسول الله فحاربوا المرتدين وتوسعوا في الفتوحات، وبعد انقضاء عصر الخلافة الراشدة تعاظم دور القُصاص والمحدثين وذلك لإقبال الناس عليهم لسماع القصص وسيرة النبي ومغازيه، وفي العصور التالية تداخلت السيرة بتفسير القرآن بالمغازي، وسعيا وراء الزخرفة والتشويق قل الاهتمام بالتوثيق ودخلت الأحاديث الموضوعة والاسرائيليات وراجت بين الناس. وساعد على ذلك ما ذهب إليه بعض العلماء من التشدد في رواية أحاديث الحلال والحرام، والتساهل في أحاديث أفاضل الأعمال، وكان هذا التساهل هو ما نفذ من الوضاعون على اختلاف أغراضهم.  قام الكاتب بمراجعة احصائيات لما ورد في كتاب الإمام الواحدي من أسباب النزول فوجد أن هناك ٥٩٩آية لها سبب نزول، ونسبة لعدد آيات القرآن الكريم البالغة ٦٢٣٦ آيه فإن نسبة الآيات الوارد أن لها سببا للنزول تمثل فقط ٩,٦ ٪ من مجموع الآيات، وبمراجعة الروايات الواردة ضمن أسباب النزول فإن عدد الآيات التى لها رواية صحيحة لسبب النزول هى فقط ٢٦٦ آية، حسب ما ورد في كتاب صحيح أسباب النزول لإبراهيم العلي، ويعني هذا أن نسبة الآيات التي لها سبب نزول بالرواية الصحيحة هي ٤,٣٪ فقط. وهذا يعني أن ٩٥,٧٪ من آيات القرآن ليس لها سبب للنزول، وهذا يعني أن جل آيات القرآن قادرة على إيصال معانيها باقتدار لكل طالب. و إن كان لأسباب النزول الصحيحة دور مهم في إيضاح الأحكام الشرعية. وللتأكيد على هذا الفهم قام الكاتب بدراسة ما ورد من أسباب النزول الخاص بآيات سورة البقرة، بغض النظر عن صحة المتن أو السند في روايات أسباب النزول، وتم تصنيف الروايات تحت عناوين أربعة: الأول: سبب النزول ضروري لفهم المعنى واستنباط الأحكام.  مثال الآية (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم.) سبب النزول ما رواه جابر بن عبد الله رضى الله عنهما، أنه كان في سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم “ فأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منا: قد عرفنا القبلة، ها هي هنا قِبل الشمال، فصلوا وخطوا خطوطا، وقال بعضنا: القبلة ها هنا قِبل الجنوب، وخطوا خطوطا، فلما أصبحوا وطلعت الشمس، أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة، فلما قفلنا أنزل الله عز وجل الآية، نجد هنا أن الرواية تكرر المعنى المفهوم من الآية، ولكنها تساعد على استنباط حكم فقهي، إذا تعذر التيقن من معرفة اتجاه القبلة في ظرف ما فإن الإجتهاد في تحديدها ، وغلبة الظن كافية ومقبولة عند الله.  الثاني: السبب الوارد يكرر المعنى المفهوم من السياق ولا يقدم جديدا.                  مثال ذلك الآية الكريمة (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين) سبب النزول أن يهود يثرب كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج قبل بعثة رسول الله، فلما ابتعثه الله من العرب لا من اليهود كما توقعوا، أنكروه.  الثالث: السبب يشوه معنى السياق بالتفاصيل البعيدة عنه.  مثال ذلك ما جاء في سبب نزول الآية الكريمة (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا ولكن قولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم.)  قال عطاء بن أبى رباح: أن راعنا كانت لغة الأنصار في الجاهلية فجاءت الآية بالمنع عنها، لكن المؤلف يقول أن كلمة راعنا عربية فصيحة، ولكنها تحمل معنى المساومة، راعنا نراعك، وهذا سوء أدب مع الله، أما كلمة أنظرنا فطلب مهلة فيه أدب وخضوع ورجاء، وهو ما يتوجب أن يخاطب العبد به ربه. الرابع: السبب يخالف السياق أو الأدلة الشرعية أو القيم أو العقل.  مثال ذلك سبب النزول الذي أورده البعض عن الآية (يسألونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس والحج، وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها، ولكن البر من اتقى، وآتوا البيوت من أبوابها) ، قيل إن سبب النزول أن الأنصار كانوا إذا رجعوا من الحج لم يدخلوا من قِبل أبواب بيوتهم ولكن من ظهورها، وهذا أمر غريب وغير مبرر، بل في دخول البيوت من ظهورها مخالفة لأدب حث عليه الإسلام، في الحديث (نهى رسول الله المسافر عن أن يأتي أهله ليلا، أو على حين غفلة منهم أو أن يأتي بغتة، وفي حديث متفق عليه: كان النبي يكره أن يأتى الرجل أهله طروقا (يعنى مغافلة كأنما جاء ليكتشف سرا)، والرواية عن سبب النزول هنا تخالف العقل والقيم، ولكن لو عدنا إلى السياق القرآني الذي يتحدث عن مواقيت الحج الزمانية والمكانية، أي الأماكن التي يحرم منها قاصدو الحج فلا يتجاوزونها غير محرمين، وشبه السياق القرآني هذه المواقيت بأبواب البيوت، فلا تُدخل البيوت من غير أبوابها، وقد حدد رسول الله المواقيت، فهي ذو الحليفة لأهل المدينة وقرن المنازل لأهل نجد، ويلملم لأهل اليمن.  وهكذا يراجع الكتاب الآيات الثلاثة والخمسين من سورة البقرة التى وردت معها أسباب النزول لتخلص إلى نتائج، النتيجة الأولى: تؤكد مقولة تتكرر في كتب التفسير أن العبرة هى بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والثاني أن القرآن الكريم وحده قادر على البوح بمعانيه إلى الأمم جميعا دون تقيد بمكان جغرافي أو بزمان تاريخي، وهو كتاب هداية ميسر للفهم حتى آخر الزمان، محرر ٍ من القيود الخارجية، فهو يفسر نفسه بنفسه، فصاحته كافية لجلاء أي غموض أو تعقيد، وبلاغته توصل المعاني للعقل، وتوصل العواطف للقلب في وضوح باهر. ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر.) صدق الله العظيم.