الروبوت صوفيا هل هي بشر أم آلة؟

العبودية التكنولوجية وهمجية الآلات الذكية.

لا شك أن سؤال الذكاء اليوم لم يعد حكرًا على الإنسان وحده، بل أصبح يتقاسم ساحته مع الآلة. ومع التطور المذهل الذي يعرفه الذكاء الاصطناعي، صار من المشروع أن نتساءل: من الأذكى الإنسان أم الآلة؟ ومن يسبق من؟ وهل نحن أمام علاقة صراع أم علاقة تكامل؟ ثم من صنع من: هل الإنسان هو صانع الآلة أم أن الآلة بدأت تصنع الإنسان من جديد؟ فلا مندوحة أن التساؤل عن الأكثر ذكاء والأكثر غباء بين الثنائية الأكثر تكاملا لا تناقضا «الإنسان والآلة» صار شاقا وعسيرا، فهل الإنسان الأذكى أم الآلة؟ أم أن كلاهما غبيان؟ ومن يسبق من؟ هل الجوهر الإنساني أم ماهية الذكاء الاصطناعي؟ يبدو هذا التساؤل مشروعا ومتقدما ومتأخرا في الآن نفسه، فمن صنع من هل الآلة هي التي صنعت الإنسان أم أن الإنسان هو صانع الآلة؟ لقد غدت الحياة البشرية برمتها ذكية تتنفس بالأكسيجين والتكنولوجيا والإعلام، أو بالأحرى حسب منظري الإعلام فالإنسان يتنفس الأكسيجين ويتنفس الإعلام، لأن الإعلام أصبح ضروريا مثل الأكسيجين في حياتنا المعاصرة، حيث صار الإنسان يتكون مما هو طبيعي وتكنولوجي، فالبشرية أصبحت آلية لا تتنفس إلا بوجود التقنية والتكنولوجيا. إن التأمل مليا في وضعنا البشري في عصر الذكاء الاصطناعي صار يبعث على التساؤل الفطن عن مصيرنا المستقبلي والتقنية باتت غداء ماديا للكائنات البشرية. إذا أمعنا النظر في وضعنا البشري بوجود التقنية التي تتقاسم معنا كل تفاصيل حياتنا نلمس أننا بصدد الحديث عن إنسانية آلية، والآلة اليوم تتسم بنزوع إنساني، كأن للآلة مشاعر وأحاسيس، تشعر بنا وتحس بحاجاتنا وتلبي هذه الحاجيات التي تتنبأ بها آلات الذكاء الاصطناعي، حيث لما نحتاج البحث عن موضوع نجد أن التكنولوجيا الذكية تساعدنا للوصول إليه بيسر وسهولة؛ بل تسبقنا له وتقدم لنا الدعم والمساندة التي نحتاجها، كأنها تشعر بحاجتنا اللحظية وتتصرف على نحو إنساني تقدم لنا الدعم اللازم وتقلص المسافة وتزيد في سرعة إقناعنا بمواضيع مماثلة؛ و الأكثر من ذلك يمكن للروبوتات العملاقة أن تجيبنا مثل البروفيسور العالم والمتبحر في شتى المعارف عن كل المواضيع بطريقة مبدعة وبحجج وبراهين لا تخطر على بالنا، فنصبح أكثر علما وسعادة بكم المعلومات والمعارف التي تقدم لنا في تلك اللحظة. يصعب التنبؤ اليوم في ظل طغيان الذكاء الاصطناعي وعبقرية الآلات الذكية وقدرتها على حل مشاكلنا في ثوان معدودات حول من الصانع ومن المصنوع، فالموضوع مشتبك وزئبقي لا يمكن الحسم فيه بسهولة ويسر كما قد يتخيل للبعض، فالصانع والمصنوع الآن سيان، صنوان لا يفترقان، صار الواحد في حاجة للآخر حتى يكملا بعضهما. أصبح حريا بنا الحديث عن توأم جديد أنجبته الحضارة الحديثة اسمه «الإنسان الآلي أو الآلة الإنسانية»، فكلاهما يعانقان بعضهما، كأنهما يعيشان اليوم حالت عشق أبدي، أو كحال طفلين رضعا من ثدي أم واحدة هي الحضارة التقنية السائلة التي لا تركن إلى حال، وتعرف مستجدات تكنولوجية في كل لحظة من الزمن السائل، لم تعد الحضارة الرقمية ساكنة؛ بل غدت متحولة بتحولات جنون وجبروت الإبداع الرقمي الإنساني الذي لا يهدأ أبدا. الآلة المحنطة والقاسية تفرض علينا في الزمن الرقمي الحصار، تريدنا أن نصير عبيدا لها، عذرا كارل ماركس عذرا للطبقية، الآن الآلات تمثل الأسياد ونحن البشر مجرد عبيد، الآلات صارت مقدسة تحدد مصيرنا الأبدي، أين نحن من إبداعات العقل الحرة يا ألبيرت اينشتاين فالعقلانية العلمية في خبر كان، والعقل صار ملزما ومجبرا لا للخضوع إلى صرامة المنهج التجريبي لفرانسيس بيكون؛ بل صار ملزما بعبودية الآلة، التي تصنع مصيرنا الأبدي. أكيد نحن البشر من صنعنا الآلات، لكنها الآن تحدد مصيرنا تصنع سلوكياتنا، نحن العبيد الذين ننحني آناء الليل وأطراف النهار، ننقر على اللايكات والجيمات وننظر إلى ساعاتنا الرقمية التي لا تقوم بوظيفة ضبط انشغالاتنا الهامة؛ بل مهمتها الأساس شغلنا عن مهامنا الضرورية، لأنها أصبحت تقيس نبضات دقات القلب وعدد خطوات المسافة التي قطعناها في اليوم، والتي لا قيمة لها. في الواقع بات عصرنا بطنينه الإيديولوجي وأضوائه البهاجة يحتاج إلى إنسانية منفلتة لها قدرة على المقاومة والعيش خارج دائرة الافتراضي، والنزوع نحو الواقعي، والآلات الذكية أتت على حتفنا، كما قضت على حياة المبدعين والحياة الطبيعية، وأصبحت البشرية آلية تعيش حياتها كاملة في حيز الافتراضي، فضاع البعد الحلو من الحياة بتعبير الأديب المغربي محمد شكري. لعلنا لا نحاكم الآلات الذكية والتقنيات الرقمية، ولا ننكر جميل صنيعها، لأنها يسرت الحياة البشرية برمتها، فلولا الآلات الذكية والتقنيات الحديثة لما أصبح  »العالم أشبه بالقرية الكونية الصغيرة «على حد تعبير المنظر الإعلامي الكندي الماريشال ماكلوهن. نحن نريد ساعة تقليدية تقيس كم ساعة قضيناها في المكتبات أمام الرفوف ونحن نتصفح الكتب والمصادر العلمية التي تقيس تقدم أو تأخر حضارتنا ووجودنا المترنح نحو الهزيمة والضعف والعبودية والهوان. الذكاء أصله بشري ولم يكن يوما ما اصطناعيا، الذكاء والموهبة من صميم عبقرية القدماء والمحدثين والأنواريين من فلاسفة وعلماء وأطباء ومنهدسين وأدباء ومبدعين في شتى ضروب الإبداع الأدبي والفكري والعلمي، لكن البشرية بسبب غبائها اليوم تشرع بمحض إرادتها سلطة الذكاء إلى الأقمار الاصطناعية التي اكتشفتها البشرية بعدما ملت من اكتشافات الكوكب الأرضي. بات الكائن البشري اليوم يتخلى عن سلطة العقل الحر والابداع الأصيل، وسلم نفسه بطواعية منه لجبروت الآلة، تحت مسمى الذكاء الاصطناعي، الذي يعبر عن غباء الإنسان في القرن الواحد والعشرين، لا يمكن للآلة أن تكون ذكية والبشرية غبية، هذا هراء ومخاطرة غير محسوبة، قد تكون عواقبها على البشرية في المستقبل خطيرة، لأن أصل الإبداع هو الإنسان والآلة تطبق أوامر الإنسان لا أقل ولا أكثر، ولولا الإنسان لما اكتشفنا آلة خرساء كالحاسوب أو اللوحات أو الهواتف الذكية أو الساعات الغبية التي تقيس نبضات القلب ومسافة خطواتنا يوميا. في واقع الأمر لا يمكننا التنبؤ الدقيق عن مستقبل الإنسانية في ظل طغيان الآلات الذكية وهيمنت الروبوتات العملاقة على حياتنا الجديدة، ولكن النظر الحصيف يوضح أننا أمام موجة إنسانية جديدة يتداخل فيها الآلي والتقني بالإنساني، ولا شك أن تأثير الروبوتات العملاقة والآلات الساخرة من وضعنا الوجودي في الآونة الأخيرة بات جليا في مجمل سلوكيات وتفاصيل حياتنا اليومية، فالكائن العربي والكوني في شتى بقاع العالم لا يمكنه العيش إلى بمعية الآلة أو بواسطة التقنية. الروبوت صوفيا هل هي إنسان أم آلة؟ تعد تجربة الروبوت صوفيا Sophia، وهي روبوت شبيه بالبشر وتقوم بوظائف بشرية، حيث تم تطويرها بواسطة شركة Hanson Robotics في هون كونغ، وتم اطلاقها عام 2015، والجميل في الأمر أن مظهرها الإنساني ومحاكاتها للبشر في الوظائف والتفكير والإحساس والتعرف على الوجوه والتواصل وإجراء محادثات وحوارات ومقابلات مع كبار الشخصيات والعلماء والمشاركة في المؤتمرات جعلها تحظى بالكثير من الإعجاب لدى الكثيرين. لعل المثير في تجربة الروبوت صوفيا كونها تشبه الممثلة البريطانية أودري هيبورن Audrey Hepburn مع جلد صناعي يشبه الجلد البشري، كما تعتبر أول روبوت يحصل على الجنسية السعودية عام 2017، وقد لقبت بسفيرة الروبوتات المبتكرة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وتمثل حاليا بسبب إنجازاتها غير المسبوقة مستقبل الروبوتات الاجتماعية، ولها إمكانيات خارقة ووظائف بشرية تقوم بها في مجال التعليم والصحة وخدمة العملاء...وغيرها من الوظائف المتعددة. * باحث من المغرب.