«إعادة تأسيس الفهم في علوم القرآن» للمهندس محمود راغب الخضري..
نزول القرآن وأسباب النزول. (1-2)
مقدمة الكتاب تتحدث عن التخوف من نقد أخطاء التراث، وفي رأيي أنه تخوف مشروع، ولكن هذا يجب ألا يمنع من النقد الذاتى طالما أن الهدف خير والحكم في النهاية على دقة المعلومات وصحة الاستنتاج. وبالتأكيد فإن ما يستدعي تعديل ما استقر في العقول على مر الزمان مسألة فيها صعوبة، ولكن قول الإمام علي هو الفصل “لا تعرف الحق بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله”. وهنا نعرض القواعد السبعة التى ارتآها الكاتب لضبط الفهم للنص القرآني والسيرة الميسرة: أولا: يفهم النص القرآني من سياق الآيات وحسب اللغة العربية. ثانيا: يعتمد فهم النص على جملة الأدلة الجامعة من القرآن والسنة والإجماع والقياس على الترتيب. ثالثا: يجب ألا يتعارض الفهم مع مقاصد الشريعة وأهداف الرسالة المحمدية. رابعا: يجب ألا يتعارض الفهم مع منظومة القيم الأخلاقية والإنسانية التي حملتها الرسالة إلى العالمين. خامسا: تقديم الفهم الذي يتماشى مع التاريخ، على الفهم الذي يكون أسير الزمان والمكان والحدث، ولهذا بحث الكتاب في أسباب النزول. سادسا: التفريق بين العام والخاص، بمعنى عدم تعميم الخطاب الرباني الخاص بظروف أو واقعة بعينها، كمثال في المعركة (وليجدوا فيكم غلظة)، أما في الدعوة (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك). سابعا: يجب أن يُضبط الفهم على إدراك المقصد من النص، لأن المقصد هو الثابت الوحيد الذي لا يتغير بتغير المكان والزمان. بعض العلماء جعلوا للقرآن الكريم أسماء كثيرة فمثلا أسموه الحبل (واعتصموا بحبل الله جميعا)، الصراط المستقيم (وأن هذا صراطي مستقيما)، والنبأ العظيم (عم يتساءلون عن النبأ العظيم) ومن استعراض حوالي خمسين اسما يرى المؤلف أن الجميع جاء دون تمحيص أو دراسة كافية. أكثر الأسماء تداولا في كتب العلوم الإسلامية هي: القرآن، الكتاب، الذكر، الفرقان. الأسماء الثلاثة الأخيرة يشترك القرآن فيها مع غيره من الكتب السماوية، الكتاب مثلا يطلق على الكتب السماوية الأخرى (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا)، أما الفرقان والذكر فالآية (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين)، (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادى الصالحون) يعنى أنها أطلقت على كتب سماوية أخرى اسمي الفرقان والذكر، وبالتالي فإن الاسم الخاص بكتاب الله الكريم المنزل على نبيه محمد هو القرآن ولا اسم غيره. وعندما نزل القرآن كان رسول الله يعيد القراءة خلال التنزيل خوفا من النسيان فطمأنه الله (لا تحرك به لسانك لتعجل به)، بعدها صار رسول الله يقرأ على الصحابة ما استودعه الله في ذاكرته من الآيات بعد انقضاء الوحي، ويدعو كتبة الوحي فيكتبونها على الرقاع، التي يحتفظ بها عند أزواجه، وحيث إن القرآن نزل منجما فإن رسول الله يبلغ الصحابة وكتبة الوحي موقع الآية التي نزلت ضمن ما سبق من الآيات فيكتبونها على الرقاع في موقعها بالضبط. ويقوم الرسول بترتيب الرقاع التي تحتوي على أجزاء السور ليجمع كل مجموعة منها بحيث تؤلف السورة كاملة، وهذا هو جمع النظم والتلاوة، وهذا ما حدث به الصحابي زيد بن ثابت: “كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع “ ومعنى نؤلف نجمع، وكان جبريل يعارض ما نزل من القرآن مع رسول الله مرة واحدة كل عام في رمضان ثلاثة وعشرين عاما، وفي عامه الأخير عارضه القرآن مرتين “ عن عائشة عن فاطمة رضى الله عنهما: أسر إلي النبي: “إن جبريل يعارضني بالقرآن كل سنة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي”. استشهد الكثير من حفظة القرآن في حروب الردة زمن أبي بكر، فاقترح عليه عمر أن يجمع القرآن، فكلف أبو بكر زيد بن ثابت رضى الله عنهم جميعا بجمع القرآن. وهنا يفرق الكاتب بين جمع النظم والتلاوة الذي حدث أيام رسول الله وجمع التدوين، وهو جمع القرآن مكتوبا في مصحف واحد وهو ما حصل أيام أبو بكر. يستدل الكاتب بأدلة كثيرة منها ما ذكره حذيفة رضى الله عنه قال: صليت مع النبي ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت يركع عند المئة، ثم مضى، فقلت يصلى بها ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم رجع…إلخ) نلاحظ من هذا الحديث معرفة الصحابي بأسماء السور عند ذكرها بالإسم، و في قوله : قلت يركع عند المئة دلالة على حفظه للسورة، ومعرفته بترقيم الآيات، وفي هذا تأكيد بأن القرآن قد جُمع ورُتبت آياته في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وباستعراض مجموعة من الأدلة نصل إلى أن الله تعالى استودع في ذاكرة النبي عن طريق الوحي القرآن الكريم جميعه على سبع قراءات (أحرف)، وقد قام رسول الله بتلقين صحابته هذه القراءات كما أنزلت وحفظتها عنه وتناقلتها الأجيال شفاهة كما نزلت وتواتر حفظها بين المسلمين جيلا بعد جيل. أما ما قام به المسلمون بعد وفاة الرسول وهو جمع التدوين، أي جمع القرآن في مصحف واحد، فإنه لم يحدث في أيام الرسول، لاحتمال ورود آيات تُلحق ببعض السور، أما عندما يتوقف الوحي، فتصبح أواخر السور محددة ونهائية، وعندها فقط يمكن جمع القرآن في كتاب واحد بحيث تُكتب بداية السورة مباشرة بعد نهاية السورة التي قبلها. وقد بلغ من حرص رسول الله على توثيق القرآن الكريم، ما رواه أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه” وامتثل الصحابة لطلب رسول الله، فاجتهدوا بتوثيق القرآن بالكتابة ومحوا كل ما كتبوه من أحاديثه الشريفة حتى لا تختلط بالقرآن. وعندما أمر زيد بن ثابت بجمع التدوين قال: فتتبعت القرآن أجمعه من العسب (جريد النخل)، واللخام (صفائح الحجارة)، وصدور الرجال. وحيث إن زيدا لم يذكر الرقاع في هذه الرواية الشهيرة الواردة في البخاري، فقد أشكل الأمر على البعض، لماذا لم يطابق زيد ما حفظه الصحابة أو احتفظوا به مكتوبا على العظام واللخام والعسب مع الرقاع التي كتبها كُتاب الوحي على عهد رسول الله! بحث الكاتب في روايات كلام زيد فوجد أن البخاري قد أورد الحديث في مكان آخر من كتابه ولكن ليس تحت عنوان جمع القرآن، هنا تأتي الرواية عن اقتراح عمر على أبي بكر جمع القرآن، فتردد أبو بكر، لأن رسول الله لم يفعل ذلك، حتى إذا شرح الله صدر أبي بكر لذلك استدعى زيدا فقال له: إنك شابٌ عاقل ولا نتهمك، وكنت تكتب الوحي لرسول الله فتتبع القرآن فأجمعه، فلم يزل زيد يراجع أبا بكر حتى شُرح صدر زيد لما شُرح له صدر أبي بكر وعمر “ فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال، حتى وجدت من سورة التوبة آيتين عند أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره. ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم… . ) . كما جاء الحديث أيضا محتويا على كلمة الرقاع في صحيح البخاري مرة ثالثة في كتاب الأحكام، وإذاً فإن زيدا طابق حفظه مع ما كتب في الرقاع الموجودة في بيت رسول الله مع ما كتبه الصحابة واحتفظوا به في بيوتهم ، وعندما اكتمل الجمع وأودع في المصحف، احتفظ به أبو بكر، ثم آل إلى عمر عند استخلافه، وقد احتفظت به أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضى الله عنهما. كان حذيفة بن اليمان يغازي أهل الشام في أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزعه اختلافهم في قراءة القرآن فأتى عثمان بن عفان رضي الله عنه وقد صارت الخلافة إليه فقال: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك. وأمر عثمان زيدا بن ثابت، وعبدالله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام بنسخها في المصاحف، ثم رد النسخة الأولى إلى حفصة وأرسل مصحفا من النسخ الخمسة إلى كل مصر، و أرسل مع كل مصحف قارئا يُقرئ الناس.