عن العلاقة بين الطبيعة البشرية والروبوت ..

من يحدد القيم الاخلاقية: الإنسان أم الآلة ؟

إن الجدل المعرفي الذي تشكّل حيال السؤال الأخلاقي في هذا الأوان المعلوماتي، هو كيفية منح الآلة الذكية أو الروبوت صاحب العقل البرمجي وكالة أخلاقية مطلقة، ليكون بمصاف البشر من حيث التعامل مع مقررات الواقع والاستفهامات التي تعنى بالحياة والمصير، أو نهبه بعضا من هذه السمات بحسب الحاجة الفعلية التي تمكّن التقانات البرامجية بعموميتها من إداء مهمة معينة تتصل قيميا مع الآخر البشري؟ وقد عبّر وينديل فالاخ وكولين ألين بخصوص هذا الشأن بــــ «القواعد الأخلاقية الوظيفية» التي تسعى إلى تخصيص جزء من المزايا الأخلاقية المتوائمة وطبيعة الوظيفة المناطة إليها، وهذا الرأي قابل للمناقشة من الناحية الإجرائية والعملية في حال لو تم الأخذ به، إذ أن تفصيل الصفات الأخلاقية لأية آلة تقنية ذكية تؤدي وظيفة معينة مستقلة تخضع لاعتبارات إنسانية ونفسية بل اجتماعية أيضا، فالسيارة ذاتية القيادة تختلف اختلافا كليا عن أجهزة الرادار أو كلب البحث صاحب العقل الذكي، وهنا لا أقصد من حيث نوعية الخدمة التي يقدمها للكائن البشري فقط لكن من ناحية المنظومة المفاهيمية ونسبة الاستجابة التي على أساسها تستوعب حاجة الآخر، وهل يحق لنا أن نهب هذه السمات أم أنه كائن آلي في حقيقته يسير على وفق شيفرة برمجية لا تخضع لأية اعتبارات إنسانية مثل الانفعالات أو السلوك أو طريقة التعاطي مع الخطر؟ وفي حال أقرَّ بإعطاء الآلة الاصطناعية وكالة أخلاقية مطلقة هل تخضع للنظام الوضعي والقوانين العرفية والسياسية التي تسن من قبل الدولة فضلا عن السياقات الاجتماعية والتوجهات الفكرية والإيديولوجية أم أنها معادلة رياضياتية خارجة عن هذا التصنيف؟ ولعلي أجد أن ثمة إشكالية أخرى تستجد إزاء هذا الطرح كونها سوف تتفوق بمراحل علمية وقيمية على الكائن البشري بسبب امتلاكها العقل الذكي والمسوّغ الأخلاقي في آن؟ لكن بودي أن أتوقف عند كنه هذه الخدمة التي تقدمها الآلة الذكية وأحقية إيفائها للغرض؟ وهل بالضرورة أن يُكرس لهذه الآلة وكالة أخلاقية تامة أو مجتزئة في حال لو ارتبطت بقواعد برمجية تنفيذية غايتها تسهيل العقبات وتذليلها؟ بل هل يتوجب عليها أن ترتبط بسمات أخلاقية تكون ماهيتها متفقة مع الكائن البشري؟ ما هي طبيعة العلاقة التي تنتج حيال فاعلية السمة الأخلاقية التي منحت للكائن الذكي وبين المدركات الحسية والشعورية للإنسان؟ وهل يتوجب محاسبة الآلة الذكية في حال لو تمتعت بسمات أخلاقية كلية أو ضمنية؟ وهل من الممكن أن تتعرض للخطأ أو التوهان أو الغفلة في حال لو عيّن لها عقل برمجي ذكي يسير عليه؟ وهل أن معيار الخطأ ناجم عن امتلاكها وكالة أخلاقية بل أية أمارة إنسانية بشرية ناتجة عن المشاعر الجوانية التي تشترك العاطفة بها؟ ولماذا هذا الاصرار بمنح الآلة الذكية وكالة أخلاقية؟ هل ثمة محاولة جادة لاستنساخ العقل البايولوجي البشري امعانا للانفجار التقاني الذي يولده الذكاء الاصطناعي؟ لماذا هذا التخوف من الآلة الذكية في حال لو تضمنت مساحة تفوق الكائن البشري من حيث الرؤية والتصرف والقدرة الذهنية والبدنية(المادية)؟ هل يفكر الأخير باستلاب جوهره وتجرّده من الحياة في حال لو اتخذ الروبوت إمكانية حرة تتعدى كنه الإنسان وحقيقته؟ وهل ثمة صفات أخلاقية برمجية مقننة تتفق وطبيعة العلاقة بين البشري والآلي وما هو منسوب المضامين البشرية مثل الخير والشر والشجاعة والكرة والاختلاجات الذهنية والشعورية الجوانية بل أية صفة إنسانية أو أخلاقية تخصص للروبوت أو الكائن التقاني الذكي؟. حقيقة الأمر، علينا أن نؤمن إيمانا مطلقا من أن التحديات النفسية التي يواجها الإنسان حيال الانقلاب المعلوماتي المهول وما نتج عنه من تصدر الآلة الذكية أثّر تأثيرا واضحا على طريقة تعامله مع الموجودات من حيث اللغة والمنهج والعلاقة التي تسقرئ نظامه الثقافي والمعرفي، على الرغم من أن (جوانا برايسون) الأستاذة المشاركة في قسم الحاسوب/جامعة باث تقول « أن الروبوتات هي أدوات وممتلكات وليس لدينا أي التزامات اتجاهها» ما معناه، أن الآلة الذكية مادية علمية غير عضوية أي ليست بشرية ولا نملك ارتباطا أخلاقيا يعنى بتمثلاتها على أرض الواقع، وإن كانت تمتلك حالة من حالات الوعي حيال أي معضلة تظهر لها فإنها تتصرف على وفق برنامج ذكي يخص هذه المعضلة التي يسعى إلى حلها، لكن هناك مسألة غاية في الأهمية، هل أن الطبيعة البشرية المعنية للإنسان هي المحرّض الرئيسي التي تعزز مكانة الروبوت الأخلاقية، أم أن هذه المكانة تتحقق بالتتابع على وفق مراحل تعنى بجوهر الخدمة المقدمة من قبل الآلة الذكية نفسها؟ ولعلي أجد أن النظرة المتبعة للكائن البشري تختلف بين آلة ذكية وأخرى، لذا فأن القيمة الاعتبارية المدخرة لديه من المفترض أن لا تكون على مستوى واحد، ومما لا شك فيه أن هذا التفاوت في الحاجة التي يرومها الإنسان ستخلق منحيين، الأول، المقياس أو درجة الأهمية التي تعنى بالآلة نفسها، والثاني، هي الرؤية الخاصة بالإنسان قبالة نوع الخدمة التي تقدمها الآلة ومدى تأثيرها عليه. إن المكانة الأخلاقية التي يعتمدها إنسان هذا العالم تأتي على وفق نظام ثقافي واجتماعي تهيئ وحدته العضوية من حيث السياق الذي يتعامل به مع الكائنات الحية إن كانت بشرية أم حيوانية ،ولعلها نباتية أيضا، لذا فإن ماهية انتخاب النبتة أو الحيوان في المنزل من حيث التربية أو المرافقة لها أبعادها النفسية، فلو كانت الاعتبارية القيمية المعنية بالكائن البشري بالنسبة للحيوان -على سبيل المثال- نظرة مجردة لا تنم عن وعي بماهية الحيوان وكينونته التي لأجلها انتقاه، لكان عبارة عن أداة لهو أو سد فراغ ليس إلا، بل حتى مزاولته للفعل الثقافي أو ممارسة الرياضة على اختلاف مساراتها لها مدلولاتها النسقية ومقرراتها النفسية والوجودية، وقد ينتج هذا إحساسا فيما بعد باستحداث مكانه أخلاقية من دون نية مبيتة تتعين عن طريق الدربة أو المزاولة كفعل يومي، فتكون ثمة حاجة فطريه أو عفوية باستطاعتها أن تشعره من أنه حي -المعنى الجوهري للحياة- أو موجود في هذا العالم، بل تجده متزنا حيال اقترانه بهذه الكائنات أو الأفعال، وهنا سوف يتشكل نظام حياتي من غير الممكن الانسحاب عن طقسه بل صعب التنازل عنه، وهذا ما ألاحظه مماثلا ومشابها لطبيعة الآلة الذكية، التي تقيّم وتعتمد مشروعيتها حيال الصلة الجوهرية التي تقدمها للكائن البشري، لترتبط معه ارتباطا سوسيولوجيا بل حتى نفسيا يؤثر على سياقه العام في كيفية التعاطي مع مجريات الحياة. *قاص وباحث عراقي