النيل والأهرام ومكتبة مدبولي.

عند زيارة “القاهرة”، أو “مصر” كما يُسمّيها أهلها، فإن هنالك العديد من الأماكن السياحية الجذّابة؛ ابتداءً من جولات القوارب ومطاعم البواخر النيلية، إلى امتطاء الجِمال أو الخيول لاستكشاف منطقة الأهرامات بالجيزة، وزيارة “خان الخليلي” في قلب المدينة، والإطلالة البانورامية على المدينة من “برج القاهرة”، و”المتحف المصري”.. وغيره من المناطق السياحية. إلا أن المُثقّفين وعُشّاق الكُتب ربما يحرصون أيضاً على زيارة المكتبات ودور النشر في وسط القاهرة، للاطّلاع والبحث عن أُمّهات الكُتب وأحدثها بين رفوف بعض تلك المكتبات العريقة التي تعود نشأتها لبدايات القرن العشرين. فإذا كنت تبحث عن كتابٍ نفدت طبعاته منذ عقودٍ مثلاً، أو أعداد من الصُّحف والمجلّات القديمة، فستجد ضالّتك في أحد أكشاك سور “الأزبكية”. وهناك مكتبة “الأنجلو” التي تأسّست عام 1928، وهي تحفل بالكُتب العلمية الأكاديمية، وكُتب علم النفس والتاريخ والأدب الإنجليزي، وأهمّ الروايات العالمية. ومكتبة “الشروق” التي تأسّست عام 1948، واشتهرت بنشر ترجمات الأعمال الأدبية والروايات الإنجليزية. ومكتبة “آفاق” التي تحتلّ مكانة متميّزة في خريطة الكُتب، وتتكدّس أرفُفها بشتّى صنوف المعرفة، خاصّة فيما يتعلّق بالفكر والفلسفة والموسوعات العلمية، وتشتهر بأنها موزّعةً لأشهر دور النشر في العالم العربي. ومن أحدث المكتبات التي ظهرت في وسط القاهرة “ المركز الدولي للكتاب”، الذي يضمّ جميع إصدارات وزارة الثقافة المصرية، في مختلف فروع المعرفة. وللحصول على طبعات جديدة من الكُتب القديمة وروايات أُدباء الستينيات؛ يُمكن زيارة مكتبة “دار الثقافة الجديدة، والتي تحفل أيضاً بالكُتب السياسية والتاريخية خلال تلك الفترة. ولابدّ لمحبّي والثقافة من زيارة لمنفذ بيع “دار الهلال” العريقة بمنطقة “السيدة زينب”، وهو المقرّ الذي يعود تاريخه لأربعينيات القرن الماضي، حيث تحتوي على أروع ما صدر عن “الهلال” لكبار الأدباء والمفكّرين. وتبقى مكتبة “مدبولي” الشهيرة في ذاكرة واهتمام المثقّفين، وعلى رأس قائمة برنامج زيارتهم.. ويروي الكاتب “ياسر الغسلان” قصّة زيارته لمكتبة “مدبولي” في صيف عام 1992، في مقال نشره في مجلّة “روز اليوسف”، فيقول إنه قد سمع عن المكتبة الكثير، وعن مؤسّسها ومالكها الرجل البسيط “محمد مدبولي”، الذي كانت له صولات وجولات من التحدّي من أجل حريّة الثقافة والإبداع. وحين توقّف التاكسي في ميدان “طلعت حرب”، دُهِش الكاتب عندما أشار السائق إلى موقع المكتبة، الذي لم يتجاوز من الخارج “دُكّاناً” بسيطاً تملأ واجهته أكواماً من الروايات المُترجمة والكُتب الدينية والسياسية والمراجع الفلسفية. وحين دخل إلى المكتبة وجد الحاج “مدبولي” جالساً خلف طاولة خشبية، وبعد التحية والسلام طالب منه بعض الكُتب الفلسفية والأدبية “لعبدالرحمن بدوي” و “ميخائيل نعيمة”، فناوله الحاج الكُتب المطلوبة وهو ينظر إليه، وكأنه يُريد أن يتأكد إذا ما كان يستحقّ الاطّلاع على ما كان ينوي اطلاعه عليه.. فقال له الحاج: “سأعطيك فُرصةً الاطّلاع على “قلب المكتبة”، والتفت نحو أحد معاونيه ووجّهه بأن يأخذ الزبون لمكانٍ ما! فمضى مع ذلك المُعاون للمدخل الرئيسي للعمارة التي تضمّ المكتبة، ودخلا في مكانٍ بدا له شقّة في الدور الأرضي تمّ تحويلها لمستودعٍ كبير يضمّ آلافاً من الكُتب المُرتّبة على أرفُفٍ حديدية تٌلامس سقف ذلك المكان. تركه المُعاون في تلك المكتبة العملاقة، بعد أن أضاء الأنوار وأدار مُكيّفات التبريد، فقضى في ذلك المكان الفسيح قُرابة الساعتين، وخرج منه مُحمّلاً بما لذّ وطاب من الكُتب المنوّعة، التي تُروي العقل وتُزيّن الأمكنة وتُضيء جوانب الحياة بأنوار العِلم والثقافة والمعرفة. لقد كان الحاج “مدبولي” على علاقة وثيقة بالعديد من رجال الفكر والثقافة، وكان يستقبل الجميع أمام مكتبته بجلّابيّتة الصعيدية الفضفاضة، ورغم أن الرجل يقرأ ويعرف قيمة كلّ كتابٍ في مكتبته، إلا أنه لم ينل أيّ شهادة دراسية. وكان ودوداً وصاحب فلسفة تُرضي الباحثين عن الكُتب الممنوعة أو تلك التي لا تُنشر في مصر، وتحمّل في سبيل ذلك عنَتْ السُّلطة والجمارك، ليوصلها للمٌهتمّين بها بأسعار عادلة. وكان -رحمه الله- ذا مباديء وقيَمٍ راسخة لا يحيد عنها؛ ومثال ذلك حين أصدرت المكتبة الأعمال الكاملة “لنوال السعداوي” (45 كتاب)، كان من بينها كتابان يحملان إساءةً للدين الحنيف، وسبق للأزهر أن أصدر بحقّهما توصية بالمنع والمصادرة، وما إن علم الحاج بذلك حتى قرّر التخلّص منهما مباشرةً. وبسؤاله عن الأسباب التي جعلته يُصدر ذلك القرار ويتحمّل خسائر مالية بلغتْ أكثر من عشرة آلاف دولار؛ أجاب قائلا: “حتى لا أبيع آخرتي بدُنياي”.