حضور المكان في الأعمال الأدبية.
يقول غابرييل غارسيا ماركيز: “لا أتذكّر أكثر ما أتذكّر الأشخاص في مسقط رأسي “أراكا تاكا”، وإنما أتذكّر جيّداً البيت الذي عشتُ فيه، وذكرياتي عنه هي ذكريات حيّة نابضة، كما أنني ما زلتُ حتى اليوم أراهُ كثيراً في أحلامي؛ ليس بأنني عدتُ إليه، بل كأنني لم أُغادر إطلاقاً هذا البيت القديم الواسع”. والذي يقرأ أدب ماركيز، يكاد يشُمّ رائحة الأمكنة، فهو مهووس باستنطاقها وإحياء حضورها ورسم تفصيلاتها، لدرجةٍ تُصبح معها القراءة لهذه النصوص رحلة لا تتوقّف في الأماكن ومعايشتها. تتّكئ الذاكرة في كلّ أجناس التعبير الأدبي من شِعر وقصّة ورواية على المكان، لأنها بدونه تفقد تماسكها وتتصدّع، وإذا تصدّعت الذاكرة تداعى الأدب، ولأنه من العناصر المٌهمّة التي ترتبط بإنتاج الإبداع الأدبي وبالإنسان الذي أبدعه، ومن هنا لا يمكن النظر إلى المكان على أنه بُعدٌ جغرافي أو شكلٌ هندسي، لما لهذا المكان من علاقة حميمة بالإنسان، وهذا يجعل المكان يُفارق دلالته الجغرافية، ليُعبّر عن دلالة جمالية. ويتمثّل المكان عموماً، وفي الرواية العربية تحديداً في أربعة أشكال: إما أن يكون وعاءً لأحداث وشُخوص لمجتمعٍ مُعيّن وعصرٍ مُعيّن؛ كما في ثُلاثية نجيب محفوظ، أو أن يكون المكان هو المسيطر على حركة الأشخاص واتّجاه الأحداث؛ كما في خُماسية “مُدن الملح” لعبدالرحمن منيف، أو أن يتراجع المكان ليكون إطاراً للأحداث الدائرة ويكون على هامش النّص؛ كما في “العيب” ليوسف إدريس، أو أن يكون مُهمّشاً ويكون حضوره شبه معدوم؛ كما في “عيون الآخرين” لعلاء الدين مصطفى. لقد كانت الأمكنة عناوين كُبرى لإبداعاتٍ عالمية وعربية لا تُنسى، في “قصّة مدينتين” لتشارلز ديكنز، و”موعد في بغداد” لأجاثا كريستي، و”الموت في فينيسيا” لتوماس مان، و”ثلاثية غرناطة” لرضوى عاشور، ثم القائمة الطويلة من أسماء الأمكنة التي احتلّت الصدارة في أعمال محفوظ. أما في الشّعر، فنجد كذلك للمكان حضوره الطاغي في قصائد محمود درويش مثلاً، فهو يقول: “كان المكان ولا يزال عندنا أكثر من علاقة امتلاك، وأكثر من وراثةٍ لا دخل لنا بها.. المكان العربي كاد يتحوّل إلى اختبار الإرادة والجدارة، وصرنا نتساءل: هل نحن جديرون بهذا التراب”؟ وحضور المكان قديم قِدم الشّعر العربي، فالمتنبي مثلاً قد استهوته مظاهر الجَمال في “شيراز” -من بلاد فارس- حيث نسيمها العليل وخُضرتها اليانعة ومائها الجاري كانت مثار إعجابه، فقال فيها: مغاني الشّعب طَيباً في المغاني بمنزلة الرّبيع مِن الزّمانِ ولكن الفتى العربيّ فيها غريبُ الوجهِ واليَدِ واللّسانِ ملاعبُ جِنّةٍ لو سار فيها سُليمانٌ لسارَ بترجُمانِ ويحاول المتنبي في قصيدةٍ أُخرى استحضار معالم مكانٍ ظهرتْ عليه آثار السّنين فأصبح أطلالاً، فنجده يقول: بكيتُ يا رَبعُ حتى كِدتُ أبكيكا وجُدتُ بي وبِدمعي في مغانيكا فَعِمْ صَباحاً لقد هيّجتَ لي شَجناً واردُد تحيَّتنا إنّا مُحيّوكا بأيّ حُكمِ زَمانٍ صِرتَ مُتّخِذاً رِئمَ الفَلا بدلاً مِن رِئمِ أهليكا أما في الشّعر العربي الحديث، فنجد نزار قبّاني في قصيدته “أنا يا صديقي مُتعَبٌ بعروبتي”، يذكر مرابع “دمشق” وطبيعتها الجميلة، فيقول: قمرٌ دِمشقيٌّ يُسافر في دَمي وبلابلٌ وسنابلٌ وقِبابُ الفُلٌّ يبدأُ مِن دمشق بياضهُ وبِعطرِها تتطيّبُ الأطيابُ والماءُ يبدأُ مِن دمشق فحيثُما أسندتَ رأسكَ جدولٌ ينسابُ والحُبّ يبدأ من دمشق فأهلُنا عرفوا الجَمال وذوّبوهُ وذابوا