ثقافة الاختلاف.
ثمة مصطلحات أدبية أصبحت بمكانة استثنائية بين المصطلحات النقدية وهو الاختلاف الذي أصبح حيا في الساحة النقدية وقد تجاوز مجال الدراسات الأدبية لأن المصطلح يتضمن المعاني المألوفة لأن الاختلاف عكس التشابه، وأن الاختلاف يعني الثراء والتنوع وأنه سنة كونية تفيد التكامل بين شرائح متعددة لأن المقصود في الاختلاف هو في الثقافات والاهتمامات والتخصصات حيث تأتي ثقافة الاختلاف لتدعو للتكامل من أجل البناء والتنمية في مجالات الحياة، والله سبحانه وتعالى خلقنا مختلفين من أجل التكامل، وأن يكون بيننا خاصية التعاون والتكاتف من أجل الوصول إلى الأهداف والنتائج المرجوة في جسور من التلاقي والتعاون لنكون نسيجا واحدا يتسم بالتعايش والتسامح والتكامل. تُعد ثقافة الحوار والاختلاف ركيزة أساسية للتعايش السلمي واحترام الرأي الآخر، وبناء الجسور بين القلوب والعقول، وهذه الثقافة تؤسس لمجتمع قادر على إدارة خلافاته بالحكمة والعقل لا بالصدام والانقسام. ثقافة الاختلاف فرصة لإثراء الأفكار والتطور، وتقوم هذه الثقافة على مبادئ الاحترام المتبادل المبني على فن الإصغاء وقبول التنوع، والاعتراف بنسبية الحقيقة، لضمان تبادل الأفكار دون تعصب أو صدام؛ لأن قبول ثقافة الاختلاف في المجتمع هو قيمة حضارية وثقافية تدعو إلى قبول الرأي والرأي الآخر، وتدعو إلى مساحات التفاهم والمحبة بين المتحاورين، وهو وسيلة للتواصل والتعلم والتعمق في فهم تصورات الآخرين، والبعد عن الخلاف الذي يدعو إلى الانقسام والفرقة القائمة على الجهل أو التعصب في الرأي والإصرار على فرضه، والانتصار للرأي الشخصي، مع العلم ألا أحد يملك الحقيقة المطلقة. وكل يرى الموضوع المطروح للنقاش من وجهته ومن ثقافته. والواجب ألا يفرض رأيه ووجهة نظره على أنها هي الأسلم، بل يقبل وجهة نظر الآخر ويحترمها ويصغي لها. وفن الأصغاء لحديث الاخر هو في النهاية احترام لشخصه وهي من أدبيات الحوار التي تدعو للإنصات الجيد وعدم المقاطعة، وفهم ما يقصده المتحدث قبل الرد وعدم المقاطعة أو تسفيه فكر الآخر وأهمية التركيز على الأفكار لا الأشخاص وتجنب الهجوم الشخصي أو الشخصنة التي تكثر بين المتحاورين ويتحول الحوار من الموضوعية إلى التجريح الشخصي وتنشأ الخصومة. وعلينا أن نغلب منهجية رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب نحتاج بشدّة إلى ثقافة الاختلاف قبل ثقافة الحوار وعلينا أن نتعلم كيف نفصل بين رفض الفكرة ورفض صاحب الفكرة. هذه القيم الثقافية تحتاج إدراجها في المنهج الدراسي حتى نحظى بمخرجات جيل يعي هذه الثقافة لتتحول إلى أسلوب حياة يتمثلها سلوكا بعد صهرها في الميدان التربوي وتدريب الطلاب والطالبات عليها من خلال برامج ميدانية وتحويل المعلومة الى مهارة يكتسبونها من الميدان التربوي. نحن أمة حوار وديننا الإسلام يحث على الحوار بالكلمة الطيبة والله سبحانه وتعالى يقول لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك. هذه هي ثقافتنا التي تقوم على رؤية تَسع المخالفين وتلتمس لهم الأعذار وتعطي لهم الحق في الاختلاف والحق في التعبير عن ذلك الاختلاف، ولعل تعدد أوامر القرآن الكريم بالرفق في الحوار هي التي تؤكد تلك الثقافة وذلك النمط من السلوك حتى يكون الحوار داعياً إلى الاتصال لا داعيا الى الانقسام أو ساحة لإثبات الذات، أو إلى مواجهة تنتهي بالصدام أو القطيعة. لطالما كان الحوار وسيلةً راقية للتواصل بين البشر ومعبرًا عن نضج الفرد ورغبته في الفهم قبل الحكم وفي الاستماع قبل الرد غير أن السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا ملحوظًا في ممارسة هذه القيمة النبيلة سواء على مستوى العلاقات الشخصية أو النقاشات العامة أوحتى في وسائل الإعلام والمنصات الرقمية. وكذلك في مواقع التواصل الاجتماعي وهي المساحة التي فضحت هشاشة الثقافة والتسطيح الثقافي فقد تحولت المِنصات إلى مسارحَ للجدال الحاد الذي تغيب عنه روح الإنصاف وروح الثقافة وتختفي منه ثقافة الحوار وكثيرون باتوا يدخلون إلى النقاشات ليس للبحث عن الحقيقة أو الثراء المعرفي بل لتأكيد وجهة نظرهم والانتصار للرأي ولو على حساب المنطق. الحوار يُغرس منذ الطفولة وقد غاب الحوار الأسري بين الطفل ووالديه بل إن هناك في موروثنا الاجتماعي إقصاء للطفل عن مجالسة الكبار وإبعاد الطفل عن الضيوف وعدم الالتفات إلى رغباته والاجابة على أسئلته فمن الطبيعي أن ينشأ الطفل وداخله حاجز الخوف والتردد وعدم الثقة بنفسة ولا يملك الشجاعة في الحديث امام الناس وكذلك الحوار التربوي داخل مدارسنا هل استطاع المعلم أن يعزز ما انتهى إليه ولي الأمر من تعزيز النبوغ المبكر في الطفل بل ان المعلم لا يفتح الحوار مع طلابه لأنه مشغول بمقرر طويل والحديث للجنسين المعلم والمعلمة فتصبح المخرجات أطفال لا يملكون الشجاعة الأدبية في مواجهة الحياة والمجتمع فيدخل المجتمع وهو غير مجهَّز نفسيًّا أو فكريًّا للتعامل مع تعدد وجهات النظر أو التعبير عن ذاته ورغباته في نهاية المطاف ثقافة الحوار ليست رفاهية بل ضرورة لبناء مجتمع صحي.