إبيستمولوجيا الطب البديل والتكميلي.

لا يمكن أن ندرس أي حقل معرفي لا سيما الحقول المعرفية التي تتداخل فيها الثقافة بالعلم، والتجربة بالتقاليد من دون مساءلة إبستمولوجية؛ لأن الإبستمولوجيا لا تركز على مضمون المعرفة فقط، بل تزيد على ذلك تركيزها على المنهج الذي يجعل المعرفة قابلة للتحقق والإثبات العلمي، وليست مجرد رأي أو اعتقاد أو خبرة متوارثة بين الأجيال. تكمن فائدة الإبستمولوجيا في أنها تتيح أدوات نقدية لفهم الحدود بين المعرفة والاعتقاد، وبين الخبرة والتفسير، وبين المعرفة المؤكدة علميا والممارسة الثقافية. وهو ما يسمح بالتمييز بين الاعتراف الاجتماعي، وبين الاعتراف العلمي المستند إلى التجربة والتحقق والبرهان. تكتسب هذه المساءلة الإبستمولوجية أهمية خاصة عند دراسة الطب البديل والتكميلي. فهذا النوع من الطب تتقاطع فيه الخبرة المتراكمة بالمعرفة العلمية. فهو يشمل الممارسات الشائعة بين الناس من دون أي تمييز بين ما ثبتت فاعليته في تخفيف أعراض مرضية أو تحسين جودة الحياة، وبين ما هو غير مثبت علميا أو لم يخضع لمعايير البحث العلمي. ومن هنا يظهر دور القراءة النقدية؛ إذ يجب أن نميز بين ما هو مثبت علميا، وما هو اعتراف إداري أو اجتماعي، وما هو خبرة متوارثة أو ممارسة ثقافية. يمكن ملاحظة هذا التحدي العلمي والعملي في رسالة المركز الوطني للطب البديل والتكميلي في المملكة العربية السعودية. فوفق موقعه الالكتروني تتمثل رسالة المركز في تعزيز ممارسات الطب البديل والتكميلي الآمنة والفاعلة وفق أسس علمية ومعايير جودة عالية لتساهم في تعزيز الصحة وجودة الحياة. وبالرغم من نبرة رسالة المركز الإيجابية إلا أننا لا نجد ما يوضح غموض المفاهيم المستخدمة فيها (الآمنة، الفاعلة، الأسس علمية) ولا نجد ذكرا لأساليب قياس دقيقة، ولا لمعايير علمية بوصفها أدوات تحقق. يمنح المركز اعترافا إداريا وتنظيميا، لكنه لا يمنح صفة المعرفة العلمية المثبتة بالتجربة والدليل التجريبي. فالهدف من المركز تعزيز الصحة وجودة الحياة، وهو هدف يمكن لأي نوع من الممارسة أن تدعيه. لذلك فالمركز يجسد نموذجا واقعيا للإشكالية التي أتحدث عنها. أعني الحاجة إلى الإبستمولوجيا للتمييز بين الشرعية الاجتماعية والإدارية من جهة والشرعية العلمية أو المعرفية من جهة أخرى. تزداد أهمية هذا التمييز إذا عرفنا أن الطب الإسلامي والعربي يكمن في قلب مركز الطب البديل والتكميلي. فقد نصت المادة الثالثة من تنظيم المركز الصادر عن هيئة الخبراء على أن هدف المركز هو وضع الضوابط والمعايير لمزاولة الطب البديل والتكميلي وتطويرها لاسيما الطب الإسلامي والعربي. كما أكد أحد مديريه التنفيذيين في مقدمة طبعة المركز لكتاب ابن حبيب الأندلسي أن مهمة المركز هي تأصيل وتوثيق الطب الإسلامي والعربي. وكما يبدو لي فالتأصيل لا يعني مجرد العودة التاريخية أو الجمع التراثي، بل يفترض ضمنيا أن ما يسميه بالطب الإسلامي والعربي يمتلك أصلا معرفيا، وأن هذا الأصل يحتاج إلى إعادة تثبيت. وأن المركز يتعامل مع هذا الطب بوصفه معرفة أصيله، ويفترض أنها تعرضت للتجاهل والتهميش، ويجب إعادتها إلى أصلها لتستمد مشروعيتها في الوقت الحاضر. يثير هذا الافتراض الضمني سؤالا إبستمولوجيا يتعلق بما إذا كانت عودة المركز المعرفية مستقلة في المنهج، أم أنها تأصيل ثقافي هُوياتي يعاد تأكيده بعيدا عن شروط المعرفة الطبية. فالتوثيق لا يفترض أن المشكلة لا تتعلق بالمعرفة ذاتها، بل في ضياعها أو تهميشها أو ضعف الاعتراف بها. يمكن القول بأن المركز يرى أن المعرفة موجودة، وما ينقصها هو الضبط والتحقيق والإسناد، وليس المراجعة النقدية، وإعادة الفحص المنهجي. وبهذا المعنى تنتقل مهمة المركز من المهمة البحثية إلى مهمة الضمان المؤسسي للشرعية؛ فالمركز لا يسأل عن المعرفة الطبية، بل يسأل عن توثيق هذه المعرفة وحفظها. حين يجمع المركز بين الطب الإسلامي والطب العربي فهو يدمج بين البعد الديني والبعد التاريخي والحضاري، وما يبعث القلق من هذا الدمج هو أن يكون المركز مؤسسة علمية موحدة بالرغم من تغاير المصادر والمناهج والسياقات التاريخية، وأن يحول الدمج التعدد إلى هوية محددة قابلة للتبنّي المؤسسي. وهذا ما يدفع المرء إلى أن يتساءل عما إذا كان أمام مشروع معرفة أم مشروع هوية بلغة المعرفة. لو توقفنا عند الطب الإسلامي والعربي فسنجده يحتوي على ما يمكن تقويمه علميا كاستخدام العسل مثلا في معالجة الجروح، أو فوائد الماء في الهضم. لكن هذا الطب أكثر من ذلك فهو يتضمن نصائح تحمل قيما روحية تنتمي إلى الثقافة الإسلامية والعربية أكثر مما تنتمي إلى العلم كبعض الأدعية، وبعض الإجراءات الروحية التي ترتبط بصحة الفرد كالصبر على البلاء، وانتظار الأجر، وغير ذلك. إذا كان ذلك كذلك فمن الواجب على المركز أن يطرح أسئلة إبستمولوجية تتعلق بطبيعة المعرفة التي يقدمها، وطبيعة ممارسات المركز في هذا السياق التي يمكن تقويمها على أسس علمية، وما إذا كان من الممكن إدراج هذا النوع من الطب ضمن الخبرة العلاجية التقليدية أو ضمن الاعتقادات الدينية، وما إذا كان من الممكن الاستفادة من ممارساته الصحية من دون تجاوز حدود المعرفة أو المصداقية. من هذا المنظور تصبح الإبستمولوجيا أداة أساسية لفهم عمل المركز، لأنها تساعد على التمييز بين القيمة العلمية، وبين القيم الثقافية أو الروحية أو الاجتماعية. فاستخدام العسل مثلا أو الماء أو بعض الأعشاب يمكن اختباره علميا لتحديد فوائدها العلاجية وجرعاتها الممكنة، لكن ذلك غير ممكن مع الممارسات المستندة إلى النصوص لاسيما الدينية التي يجب أن تُفهم ضمن سياقها التاريخي من دون أن يحملها المركز مسؤولية علمية. لذلك فأهمية الإبستمولوجيا للمركز تكمن في معرفة أي ممارسة من ممارسات الطب الإسلامي والعربي قابله للإدراج في المعرفة الطبية الحديثة، وأي ممارسات تنتمي إلى الثقافة وتراكم الخبرة. تساعد الإبستمولوجيا المركز على رسم الحدود بين الطب الإسلامي والعربي وبين الطب الحديث. وكما هو معروف في هذا السياق فالتحليل الإبستمولوجي ليس من مهمته أن ينفي أي قيمة دينية أو روحية للطب الإسلامي والعربي، وليس من مهمته الإثبات الطبي. ما يهدف إليه التحليل الإبستمولوجي هو التمييز بين ما يدخل من الطب في الثقافة، وما يدخل في المعرفة الطبية التجريبية. وهذا التمييز ليس حكما قيميا، بل أداة منهجية لفهم اختلاف أنظمة المعرفة، وكيف تتجاور، وربما تتصادم داخل مجال ثقافي واحد. نحن نعرف أن الطب الإسلامي والعربي محاط بسياق اجتماعي وسياسي وثقافي يحدد شرعيته وانتشاره. عندئذ تصبح الإبستمولوجيا أداة لفهمه؛ ليس فقط ما إذا كان طبا علميا، بل كذلك كيفية الاعتراف به اجتماعيا، وكيفية التمييز بين المعرفة المؤكدة علميا والمعرفة الاعتبارية أو الموروثة. لا تثبت الإبستمولوجيا فاعلية الطب الإسلامي والعربي ولا تنفيها، بل تهتم بتحليل أنماط إنتاج المعرفة. وحاول أن يؤسس للتوازن بين احترام الثقافة والخبرات التقليدية، وبين الالتزام بالمعرفة العلمية، وللتمييز بين المعرفة العلمية وما يظل دائما ضمن إطار الخبرة أو الاعتقاد أو الممارسة الثقافية.