السعودية: الأمن أولاً.

ليست حماية الأمن في منطق الدول ترفاً سياسياً، و لا خياراً قابلاً للمساومة، و لا ملفاً مؤجلاً إلى حين اتضاح النوايا، الأمن، في جوهره، هو الشرط الأول لكل شيء بعده: التنمية، و الاقتصاد، و الاستثمار، و التعليم، و جودة الحياة، و حتى معنى الدولة ذاتها، و من هنا تأتي العبارة واضحةً و حاسمةً: السعودية لن تتوانى أبداً عن اتخاذ كل ما من شأنه حماية أمنها و صون استقرارها و سلامة مواطنيها و المقيمين على أراضيها. لكن هذه العبارة لا ينبغي أن تُقرأ كجملة سياسية تقليدية، أو كتصريح عابر في سياق ظرفي، إنها تعبير عن فلسفة دولة تعرف أن السيادة لا تكتمل إلا حين تمتلك حق القرار، و حق التقدير، و حق المبادرة، فالدولة التي تنتظر الخطر حتى يصل إلى حدودها، أو تتردد في حماية مجتمعها، لا تمارس الحكمة بل تفرّط في أبسط واجباتها. الأمن السعودي ليس شأناً أمنياً ضيقاً بالمعنى التقليدي، بل هو منظومة واسعة تمتد من الحدود إلى الفضاء الرقمي، و من حماية المنشآت الحيوية إلى سلامة الحياة اليومية، و من ردع التهديدات إلى تجفيف مصادرها قبل أن تتحول إلى واقع، لذلك فإن حماية الأمن لا تعني فقط التعامل مع الخطر بعد وقوعه، بل تعني القدرة على قراءته مبكراً، و تفكيك شبكاته، و منع تحوله إلى تهديد مباشر. و هنا تظهر الزاوية التي يغفلها كثيرون: الدولة القوية لا تتحرك لأنها تخاف، بل لأنها لا تسمح للخطر بأن يفرض توقيته عليها، الفرق كبير بين دولة ترد بعد أن تُستفز، و دولة تبادر لأنها تدرك أن الأمن لا يحرسه التردد، السعودية، بحكم موقعها الجغرافي و ثقلها الديني و الاقتصادي و السياسي، لا تملك رفاهية الانتظار، فما يمس أمنها لا يظل محصوراً في نطاق محلي، بل ينعكس على إقليم كامل، و على مصالح دولية، و على استقرار ملايين البشر داخل حدودها و خارجها. و من غير المنطقي أن تُطالَب دولة بهذا الوزن بأن تتعامل مع التهديدات بلغة الاعتذار أو الحرج، السيادة ليست خطاباً ناعماً فقط، و لا هي مجرد حضور في المناسبات الدولية، السيادة، حين تُختبر، هي قدرة الدولة على أن تقول: هنا حدود لا تُمس، و هنا مجتمع لا يُعرّض للخطر، و هنا استقرار لا يُترك للمغامرين، و هذه ليست قسوةً سياسيةً، بل مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون قراراً أمنياً. الأهم من ذلك أن حماية السعودية لأمنها لا تنفصل عن حماية الإنسان على أرضها، مواطناً كان أو مقيماً، و هذه نقطة بالغة الدلالة، فالدولة لا تنظر إلى الأمن بوصفه حمايةً للحدود فقط، بل حمايةً للحياة ذاتها، المقيم الذي يعمل و يعيش و يطمئن على أسرته داخل المملكة جزء من مسؤولية الدولة، كما أن المواطن هو مركز هذه المسؤولية و غايتها، لذلك فإن أي تهديد للأمن العام ليس استهدافاً لجهاز أو منشأة فحسب، بل استهداف لنمط حياة، و لثقة الناس في يومهم، و لاستقرار المجتمع في تفاصيله الصغيرة. ثم إن الأمن في الحالة السعودية ليس نقيض التنمية، بل شرطها، لا يمكن لرؤية اقتصادية كبرى أن تنجح في بيئة رخوة، و لا يمكن لاستثمارات عالمية أن تتدفق إلى فضاء غير آمن، و لا يمكن لمشاريع التحول أن تمضي بثبات إذا تُركت الساحة مفتوحة للعبث و الفوضى، من هنا يصبح القرار الأمني جزءاً من القرار التنموي، و تصبح حماية الاستقرار حمايةً للمستقبل لا للماضي فقط. و لذلك فإن الحزم السعودي لا يحتاج إلى صخب كي يكون مفهوماً، المملكة لا تلوّح بالقوة استعراضاً، و لا تستخدم لغة التهديد بوصفها بديلاً عن السياسة، لكنها في الوقت ذاته لا تساوم على أمنها، بين الهدوء و الحزم مساحة تعرفها الدول الواثقة، تقول ما يلزم، و تفعل ما يجب، و تترك النتائج تتحدث. بعض الخطابات تحاول أن تصور الحزم الأمني كأنه تشدد، و هذا خلط مقصود أو ساذج، فالتشدد هو أن تتجاوز الدولة حدود الضرورة، أما الحزم فهو أن تمنع الفوضى من تجاوز حدود الدولة، التشدد يضيق بالحياة، أما الحزم فيحميها، و السعودية حين تتخذ ما يلزم لحماية أمنها لا تعلن خصومةً مع أحد، بل تعلن التزاماً تجاه شعبها، و تجاه المقيمين على أرضها، و تجاه استقرار المنطقة. في نهاية الأمر، ليست الدولة مسؤولةً عن إرضاء كل التأويلات، لكنها مسؤولة عن حماية واقعها، و الواقع يقول إن الأمن لا ينتظر حسن الظن، و أن الاستقرار لا يصان بالأمنيات، و أن سلامة الناس لا تُترك لاجتهادات الخارج أو مزاج الخصوم، لذلك ستبقى السعودية، كما يجب أن تكون كل دولة ذات سيادة، حاسمةً حين يتعلق الأمر بأمنها، هادئةً حين يكون الهدوء أجدى، و صارمةً حين تصبح الصرامة واجباً. فالأمن ليس موقفاً طارئاً، بل عهد بين الدولة و الناس، و السعودية تعرف جيداً أن الوفاء بهذا العهد يبدأ من قاعدة واحدة لا تقبل المساومة: حماية الوطن، و صون الاستقرار، و سلامة كل من يعيش على أرضه.