هذا عنوان لكتاب ألفه سيد حامد, دار اشراقة بالقاهرة ط1 ، 2024 م ، أهداه لي الصديق عبد اللّه بن شرقه (ابي يعرب) إذ دعاني لزيارته بمنزله بحي (الرفيعة) غرب جنوب الرياض والحقيقة أنني لأول مرة أسمع بهذا الحي الجديد . جمعني ببعض الشباب شداة أو هواة الثقافة منهم من أعرفه من قبل ومنهم من سعدت بمعرفته . أطلعني على مكتبته القيمة وما تحتويه من مختلف صنوف الثقافة والأدب وبترتيب أنيق ولم يدعني أخرج إلا بإهدائي مجموعة من الكتب القيمة ومن بينها هذا الكتاب الحديث الذي ألفه سيد حامد ليوضح حقيقة طه حسين بعد أن كثر خصومه من التيارات الفكرية الإسلامية والليبرالية والعلمانية والذي قال : «.. فأحدهم يرفعه إلى أعلى عليين, وأحدهم يخسف به إلى سابع أرض! « قرأت ما يتعلق بـ (المرحلة الثالثة : مرحلة النضوج الفكري الإسلامي) وبالتحديد (الرحلة الحجازية يناير 1955 أوبة الغريب إلى وطنه) ص316-300 . بدأت بهذا الفصل تمهيداً للعودة لقراءة الكتاب كاملاً فيما بعد, خصوصاً وأنه أشار واعتمد على كتاب سبق أن أعددته عن زيارة طه حسين للمملكة عندما رأس الإجتماع التاسع للجنة الثقافية لجامعة الدول العربية بجدة 1374 هـ 1955 م, وقال أنه تردد في قبول دعوة الجامعة العربية لرئاسة هذا المؤتمر, ولكنه لما عرف أنه سيعقد بالحجاز قبله بلا تردد, ولكون وصف الزيارة الكامل وما ألقي به من كلمات وما نشرته الصحف طوال 21 يوماً قد ضمنها كتابي (طه حسين في المملكة العربية السعودية) نادي الرياض الأدبي ط 1 ، 2009 , فسأكتفي بما أورده سيد حامد نقلاً عن مقابلة أجراها الشاعر كامل الشناوي مع طه حسين إثر عودته من المملكة ونشرتها مجلة [ آخر ساعة ] في 16 فبراير 1955 بعنوان (طه حسين يناجي ربَّه : أنت إلهي لا إله إلا أنت.. ذكريات الدكتور طه حسين في مكة والمدينة) سأختار من الحديث قوله : كيف كان شعورك وأنت في هذه الأماكن المقدسة ؟ فقال : سألوني هناك مثل هذا السؤال وقلت لهم : ما بالكم تقحمون أنفسكم بين المرء وربه؟ فقلت له: إنني بهذا السؤال لا أقحم نفسي بينك وبين ربك, ولا بينك وبين قلبك, ولكن أحاول أن أقحم معلوماتي عن المفكر الحر, الثائر, طه حسين . لقد عرفتك لا تبالي ما يقول الناس عنك, وما أكثر ما قالوا! بل ما أكثر ما صنعوا! لقد إتهموك بالكفر, ووصل الأمر بالنيابة العامة, وخرجت من الإتهام بريئاً نقياً, كان ذلك منذ ربع قرن أو أكثر, عندما ألفت كتابا عن الشعر الجاهلي, لقد عرفت الشائعات, فمن حقي إذن ان أعرف الحقائق! وأطرق الدكتور طه حسين ومسح جبينه بيده, كأنما يحاول أن ينفض عن رأسه غبار بعض الذكريات وقال: لقد سبق أن عشت بفكري وقلبي في هذه الأماكن المقدسة زهاء عشرين عاما, منذ بدأت أكتب (على هامش السيرة) حتى الآن, ولما زرت مكة والمدينة أحسست اني أعيش بفكري وقلبي وجسدي جميعا, عشت بعقلي الباطن وعقلي الواعي, استعدت كل ذكرياتي القديمة.. ومنها ما هو من صميم التاريخ, ومنها ما هو من صميم العقيدة.. وكانت الذكريات تختلط بواقعي, فتبددت حقائق حيناً, ورموز حيناً, وكان الشعور بها يغمرني ويعلو جوانب نفسي. قلت للدكتور طه : هل اخرجك هذا الشعور عن المألوف؟ فابتسم وقال: على أي حال لم أصل إلى درجة الإنجذاب.. كنت دائما في كامل وعيي.. أخذتني الرهبة والخشية والخشوع كل مأخذ عندما كنت وحدي . فسألته : هل زرت الأماكن المقدسة مرتين؟ فقال: لا.. بل زرتها مرة واحدة.. وكنت في هذه المرة الواحدة مع الناس ومع نفسي في وقت واحد! قلت: هذا الكلام يحتاج إلى إيضاح! فقال : إليك الإيضاح.. لقد جرت العادة عندما يصل المرء الى الكعبة او المسجد الحرام أن يتسلمه طائفة من الناس يسمون في مكة بـ (المطوفين) أي الذين يقومون بإجراءات الطواف بالكعبة, ويسمون في المدينة بـ (المزورين) أي الذين يقومون بإجراءات الزيارة لقبر الرسول عليه الصلاة والسلام . وقد حاولت جهدي التخلص من المطوفين والمزورين.. ولكن محاولاتي ذهبت هباء ووجدتني بين أيديهم أردد بلا وعي ما يقولونه, ووجدتني في الوقت نفسه وحدي وإن كنت في صحبتهم.. كنت شخصين: شخصية واعية بلا كلام.. وشخصية متكلمة بلا وعي.. كانت الشخصية المتكلمة بلا وعي تردد كلام المطوفين والمزورين.. وكانت الشخصية الواعية بلا كلام تناجي ربها في صدق وصمت وخشوع. وسألته : وبماذا ناجيت ربك في صمت وخشوع؟ فقال : قلت له سبحانه : اللهم لك الحمد.. أنت نور السماوات والأرض, ولك الحمد أنت قيّم السماوات والأرض, ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن, أنت الحق, ووعدك الحق, والجنة حق, والنار حق, والنبيون حق, والساعة حق, اللهم لك الحمد أسلمت, وبك أمنت, وعليك توكلت وإليك أنبت, وبك خاصمت وإليك حاكمت, فاغفرلي ما قدمت وأخرت وما أسررت وما أعلنت, أنت إلهي لا إله الا أنت. [ وهو الدعاء الذي طلب كتابته على قبره بعد وفاته ] وقال انه قد حفظ هذا الدعاء من عام 1951 في مؤتمر الحضارة المسيحية في فلورنسا, قاله باللغة العربية, وقال : « ولم أنته من هذا الدعاء حتى دوَّت قاعة المؤتمر بتصفيق شديد, وجاءتني سيدة مسيحية وطلبت نسخة من الدعاء فأعطيتها نسخة, وقالت لي وهي تبكي خذ دموعي وإعجابي وبلغها للإسلام الذي أحبه كثيرا, فقلت لها : لا داعي للدموع, إعجابك يكفي « . وقال إنه جاء للمؤتمر مستمعا ولكن رئيس المؤتمر طلب مشاركته بإلقاء كلمة عن السلام - بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية - فقال : «وجاءت الساعة الموعودة فرقيت منبر القوم وأنا في شيء من الذهول, لا أعرف كيف أصفه الآن ثم أخذت أتحدث وأنا لا أكاد أعي ما أقول, ولكني رأيتني أتحدث عن الصلة بين الإسلام والسلام, وأكد على أن الإسلام مشتق من السلم . وأن المسلم في القرآن وفي الحديث هو (من سلم الناس من لسانه ويده)... ثم رأيتني اتحدث إليهم عن الشعر, وحكم الإسلام فيه, وعن الشعر الديني عند المتصوفين والزهاد وعن أبي العلاء أيضا, ثم رأيتني أتحدث إليهم عما بين الإسلام والمسيحية من تقارب في كثير من المثل العليا كما صورها القرآن وكما صورته الأناجيل» . وقال أنه تلقى التهاني من كثير من القسيسين والرهبان.. وقد تأثر بالسيدة النرويجية التي سألته بصوت مضطرب يملؤه الحنان أن أكتب لها هذا الدعاء الذي كان النبي يدعو به إذا تهجد في الليل, لأنها تريد أن تدعو به كل ليلة, فقالت له في تأثر شديد : « تحيتي إلى الإسلام الذي أحببته منذ أمس « وقال لزوجته السيدة سوزان : إنه عندما تلا الدعاء باللغة الفرنسية كان له تأثير غريب : وحرك فيه شوقا قويا, إلى زيارة أرض الحجاز ومدينة الرسول, وتحققت هذه الزيارة بعد سنوات قليلة. وأذكر عام 2010 وانا أوقع بمعرض الكتاب بالرياض على كتاب طه حسين بالمملكة أن جاءني أحد أبناء الشام وقال لي كيف كتبت عن أحد الكفار فقلت له : أنظر إلى صورته وهو يقبل الحجر الأسود.. فرد وهو يمشي تلك تقية, فرددت عليه أشققت عن قلبه, فلم يرد علي .