قراءة في ديوان (100 قصيدة لأمي ) للشاعر إياد الحكمي..

دفقات خافقة في أناقة لافتة وسياق نظيم ووجدان حميم.

إياد الحكمي ( الذي يحمل لقب “أمير الشعراء” في موسمه السابع) يتميّز ديوانه بكونه دفقات وجدانيّة تعبّر عن وفائه الخالص وتعلقه الوجدانيِّ الحميم بالأم الرؤوم التي غمرته بالحنان و العطف و المحبة، فخصّها بديوان كامل تداعت فيه القصائد يأخذ بعضها بزمام بعض في تدفّق مشهود وترابط وثيق وتوالٍ متّصل ، وأناقة لافتة وسياق نظيم و وجدان حميم ، إبداع شعري مُتّسِق ، يذكّرنا بمن سلكوا هذا النهج من الشعراء فأفردوا دواوين مستقلة يذكرون فيها أمهاتهم وفاءً وبرّاً، وبعضهم نظم فيها قصائد عدّة دون أن يخصّص لها ديواناً مستقلاً ، وأول ما خطر ببالي الشاعر المبدع حسن الزهراني في ديوانه (ريشة من جناح الذل) الذي يُعدُّ ظاهرة شعرية مميّزة. ولعل ما يلفت الانتباه في ديوان الحكمي اختياره للعدد (مئة) يحمل دلالتين : الأولى الإتمام والاكتمال ، والثانية الكثرة والتنوّع تساوقا مع الدارج في تعبيرنا الشعبي ، مثل (حذّرته مئة مرة) إشارة إلى المرات العديدة؛ فضلاً عن إلإشارة إلى العدد الحقيقي لقصائد الديوان التي تشير إلى أن الشاعر لم يجد ما يعبر به عن وفائه لأمه و ينقل حقيقة مشاعره سوى هذا العدد الكبير. وهذا الكم الوفير من القصائد محدودة الطول (أشبه بالومضةالبارقة) تشير إلى لحظاتٍ يشتدُّ فيها حزن الشاعر وتوقُه لأمه وذكراها التي تجول في خاطره في لحظاتٍ متتابعة حيناً ومتفاوتةً حيناً آخر ، اقتضت التعبير عنها في حينها ، لمحات مضيئة وعواطف مشبوبة واحتراقات داخلية واستذكارات في مواقف يشتد فيها الحنين ويحترق القلب وتزداد اللوعة، اقتضت انثيال هذه الخواطر الشعربة التي يتكاثف فيها الحزن ويغالب فيها الشاعر وجع الفراق الذي يحقن بها كلماته ويستدعي فيها طاقته التعبيرية حين تغمره أمواج الذكريات. ومن الطبيعي و المألوف أن يستدعي الشاعر المواقف المشهودة الدالة على حركة الحياة في تدفقها في يومياته التي يستروح فيها الذكرى ، وهي تفاصيل مؤثّرة تدّخر عواطفها وحنانها تجاهه في خِضمّ الحياة اليومية (رائحة القهوة، سجادة الصلاة، تجاعيد اليد، حركة الباب، خبز الصباح) وهذا يذكّرنا بعبارة محمود درويش الشهيرة في قصيدة ذائعة الصيت المغنّاة بصوت مارسيل خليفة “ أحن إلى خبز أمي و قهوة أمي و لمسة أمي وتكبر في الطفولة يوما على صدر يوم....إلخ في أسلوب يتقرّى ملامح الحسّ و الشعور ، و يستدعي الصور المشاهدة و الحركة الملموسة ما يفيض بالحنان . وصورة الأم في وجدان الحكمي ثم في شعره تلامس كينونته و وجوده ، وتتوحّد فيه على نحو يذكرنا بالحلول الصوفي الذي تذوب فيه الذات في الآخر المحبوب حد الفناء ، وهي - هنا – الأم الفقيدة الغائبة الحاضرة . وفي ومضات وجدانيّة روحية يستنطق الشاعر الأشياء وما يحيط به من موجودات ارتبطت في حياته بأمه، فيحاورها ويخلع عليها عواطفه و يجعلها ناطقةً باسمه تشاركه الألم والحزن ، فالزمن محرّض وجدانيٌّ مثقل بالذكريات وهو سِمة رئيسة من سمات الفقد وتَفلّت الحياة من قبضة الوجود ، فبعد أن عبّر الشاعر عن حيرته أمام طوفان من الذكريات التي تنثال عليه يتساءل منذ البدء: كيف أكتب شعراً لأمي أعدد فضائلها أم خطاياي يستشرف الماضي الذي يعبر خياله فيتذكّر المواسم واالظواهر الكونية والتفاصيل الصغيرة المثقلة بالعواطف التي ترتبط بتلك اللحظات فتلتئم الظواهر الكونيّة و الحياة والوجود وتفاصيل السلوك في مزيج من الأحاسيس التي تستعيد الماضي و تستنقذه من بين مخالب النسيان وتبلغ فيه ذروة الشعور بالفقد وألم الحرمان: سلام لتلك الصباحات تأتي شتاءً عليلاً غير هيئتها لأمي تعدُّ الفطور لوالدها الشيخ قبل سنين طوال ونحنحة الجد أغنية رائعة وتتقلب الأحوال فتطوِّح به يمنةً ويسرة فيلجأ لخطاب أمّه شاكياً، وهذه الظاهرة البلاغية تأتي كما هو معروف من باب التمني واستحالة التحقق والاستغراق في التحسر ، ويتلفّت ذات اليمين وذات الشمال حائراً مُلتاعاً متقصّيّاً أحواله في أعمق لحظات الإحساس بالفقد و العجز واصفاً نفسه بالمشتاق والوحيد والمريض مُستحضِرا لحظة هبوطه إلى بوابة الغياب مقارنا بين أنوثة تبكي حظها وتأسى على ما أصابها ، وأخرى تبكي من أجله ، فرقٌ شاسع بين أنانيّة تؤثر ذاتها وأخرى تفنى من أجل غيرها، وإذ يعبر الزمن و تمرُّ مواسم الحنان يلتفت إلى فضاء المكان اليباب مجازاً فيتخيّل حياته صحراء ، و دروبه سحيقة وهو يرى حياته سراباً مفازاتٍ يتوه فيها بعد الغياب ، وتبدو المفارقة الزمكانيّة في تمام وضوحها بين الحقيقة و المجاز: كل الدروب سحيقة أو أنني ما عدت أعرف أيها أجدى بهذا الركض يا أمي تعبت سقطت مدي لي سرابا أستهل به طريقي أما لغته الشعرية فهي تنأى به بعيدا عن الحذلقة و تنعطف به إلى سلاسة وانسياب ، يستمدها من حقول دلاليّة بكر نديّة خَضِرة ، وتميل به إلى حيويّة اللغة الفوريّة التي لا تستكنُّ في ذاكرته العميقة ؛ بل تنثال رهوةً دون طول عناء في تعبير تلقائيٍّ هامس ومباشر و مألوف وخطاب مباشر بلاحدود أو سدود ، ولعل استرجاع اللحظات الأكثر شجَناً في مشهد تلقائيٍّ يخترق حدود الغياب من أكثر ظواهر الديوان الجمالية حضورا: آخر يوم قلتِ أني لست بخير قلتُ بخير يا أمي قلتِ لأني أمك أعرف أنّك لست بخير ذلك أكثر يوم يا أمي كنتُ فيه بخير لأن حنانك عافاني ورأيتُ بقية أوجاعي حاسرة استرجاع للحظات مشهديّة حوارية شاهدة ماثلة التقطها الشاعر بذاكرته الوجدانية إذا صح التعبير خرج بها من إطار المألوف شعريّاً ، حيث التركيز على البعد العاطفي ، يعمد الشاعر إلى مزج الحِجاج بمعطيات الشعور في تشكيلةٍ غير مألوفة تثير الدهشة وتخرج على معتاد البوح ، تستحضر اللحظة الواقعية بحيويتها وطزاجتها إذا صح التعبير ، واستعراض المشاهد والتقطها من سياقاتها (النقرات المتمهلة على الكيبورد) والاعتراف بالتقصير و الخطايا، ويستعرض المواقف التي استنقذته الأم منها : لديك نهايات كل المصائب : مواقف العقاب و السخرية و الهجر ، ويمضي ليستنبط من غيابها ما يصحّح به نظرة الابن لأمه ، حيث يقول : “ لاتنتظر دمعها وهو يغرق شرشفك الفارغ الآن منك ولا تناظر صدرها يتشظى ليقتنص إحدى ظلالك” وإذ يبلغ الشوق للأم مداه تنتظم الكلمات في أبيات غنائيّة تلتزم النغم الوزني الراقص وتستعيد الأغنية التي شاعت وذاعت (ست الحبايب يا حبيبة) مصطنعاً تفاعيل الكامل من بحور الشعر الخليليّة والقافية النونيّة المطلقة بما يوحي بالبوح وحميميّة النجوى . و من المعروف أن الرثاء من الأغراض الشعريّة التقليديّة، وهو عادة ما يقوم على ثلاثة أركان رئيسة : التعبير عن الحزن، و التأبين بذكر مناقب الفقيد ، والحكمة واستخلاص العِظة من الموت بوصفه مصيراً مشتركاً لجميع البشر ؛ وفي هذا الديوان يتحوّل الرثاء إلى استرجاعٍ للحياة وتحدٍ للغياب وحضورٍ وافر للذكريات ، وذلك من خلال إحياء الماضي بما يحتوي عليه من تفاصيل ماثلة في الوجدان واستعادة لمشاهد كانت تمر دون التفات ؛ ولكنها تستعيد طيف الراحلة وتمسك بتلابيب الزمن في لغة اصطلح بعض النقاد على تسميتها باللغة الفوريّة – كما سبق أن ذكرت - تأتي تلقائيّةً دون انتقاء أو إعمالٍ للفكر ، وتتقاطع في هذه اللغة الظواهر و الكائنات ذاتيةً كانت أو اجتماعيةً أو كونيةً في لحظة حضور صاخب حين يشتدُّ الشعور بالفقد والحزن و، ويعمد الشاعر إلى أدقّ الملامح و التفاصيل ، فيذكّرنا مما يعرف ب (الهولوغرام) أي استحضار الفنان المتوفى على المسرح: “ربما كان عدلاً من الله أن تتناءى لكي أترك الليل صحوا لأمي لكي تذرعه بالصلاة فلا يتعكّر ترتيلها “ ثمة استحضار متواصل لمشاهد معتادة وخطاب حي و ومضات بارقة وكثافة حضورية وافرة في استدعاء متواصل وتداعيات وجدانية في نغم حزين وإيقاع يتسارع حيناً و يتباطأ حيناً آخر ، ويطول بنا الحديث عن الديوان ؛فاستقصاء ظواهره أمر يستلزم مجالا أوسع ؛ ولكن لابد من الإشارة إلى مسألة التفاوت في الإيقاع والوزن ، وهو ظاهرة بارزة اقضتها المواقف والحالات الوجدانية و النفسيّة وربما بدا أنها أقرب إلى ما عرف بسلم الشعرية وتفاوت العدول فيها وفق ما أشار إليه صلاح فضل (رحمه الله) في كتابه عن (أساليب الشعرية المعاصرة)