هل ينتصر الفكر.. على النار؟

لم يكن السؤال: بأي ذنب قتلت سؤال براءةٍ يبحث عن تبرير، بل كان اتهامًا موجّهًا إلى العالم كله. سؤالٌ لا يسأل عن الضحية بقدر ما يفضح الجلاد. ذلك السوال، الذي لا يزال يتردد حتى اليوم. فحين نتأمل تاريخ الإنسان، لا نجد أن النار كانت مجرد وسيلة للعقاب، بل كانت رمزًا لطهارة مُدَّعاة. ولم تكن تُشْعَل لإحراق الجسد فقط، بل لإلجام الضمير أيضا. كانت محاولة بدائية، لكنها متكررة، للقضاء على ما لا يمكن لمسه: إنه الفكر، ليس لأنه خطر يدمر، بل لأنه يكشف. هو لا يهدم بالضرورة، لكنه يُعَرِّي. ولا شيء أخاف السلطات الكهنوتية أكثر من الانكشاف. وحين يقف إنسان، وحيدًا أعزلا إلا من بصيرته النافذة ليقول :ربما العالم ليس كما تقولون. فإنه لا يهدد السلطة بالقوة، بل يهددها بالشك. والشك بطبيعته، أخطر من اليقين. لأنه يُشْرع النوافذ لكي يتسلل النور. ولهذا، لم يكن القتل موجّهًا ضد أشخاص بقدر ما كان موجّهًا ضد إمكانية التفكير. من ساحات أثينا حيث رشف سقراط السمّ، إلى مقاصل السلخ في العصور الوسطى، ومن محارق التفتيش في أوروبا، إلى ميادين الإعدام في العصور الحديثة، كان المشهد مريعًا لكنه يتكرر بصور مختلفة. كهنوت خائف أمام فكرة جريئة، وحشدٌ يتفرّج. ومن المدهش، والمؤلم - في الوقت ذاته - أن الضحية في كل العصور تكاد تكون واحدة: إنسان يفكر. فلا يجمع بين سقراط، وهيباتيا الاسكندرانية، والحلاج، وعماد الدين نسيمي، وتوماس كرانمر، وأنطونيو غرامشي، ومحمود محمد طه، وفرج فودة، وغيرهم، شيء واحد من حيث العقيدة أو المنهج، لكنهم يلتقون عند جوهر مشترك: أنهم لم يساوموا. كل واحد منهم، بأسلوبه الخاص قال “لا” أمام ما يراه جهلًا. وكان ثمن هذين الحرفين - اللام والألف - باهظا جدًا. كل اسم من أسماء هؤلاء — العظماء - ليس مجرد قصة، بل مرآة. مرآة قد نرى فيها أنفسنا. ليس كضحايا، بل - أحيانًا - كجزء من الحشد. ذلك الجمهور الذي يكتفي بالمشاهدة، أو يلوذ بالصمت، أو يزايد ليبرّر. لقد قُطِّعَت، وأحْرِقَت أجساد، نعم، لكن الذي أرادوا وأده حقًا هو الفكر. ولم تستهدف النفوس لأنها ضلت، بل لأنها رفضت أن ترعى مع القطيع. وما يجعل حكاية شهداء الضمير فريدة، ليس أنهم ماتوا فحسب، بل أن موتهم لم يكن نهاية. ففي لحظة الإعدام. يبدو أن السلطات الكهنوتية - حينذاك - انتصرت، والأجساد سقطت، والأصوات انقطعت، والحشود تفرقت. لكن بعد قرون، اتضح أن النتيجة كانت معكوسة تمامًا، فقد ذهب الجَلَّاد، وبقي الضمير. وهذا ليس انتصارًا بسيطا، بل هو انتصار عظيم، لأن الذي انتصر ليس شخصًا، بل مبدأ، لأن الحقيقة، مهما حوربت، فإنها تملك قدرة عجيبة على البقاء. فالنيران التى أضرمت لإطفاء الضمائر، وأوقِدَت لإسكات الأفكار، تحولت إلى وسائل لتنقيتها. حيث أزالت عنها الشوائب، وتركتها أكثر صفاءً، وأشد سطوعًا وأزكى رائحة. قال أبو تمام: لولا اشتعالُ النارِ فيما جاوَرَتْ ... ما كان يُعرَفُ طِيْبُ عَرْفِ العودِ. قد يبدو استحضار هذه السير المعتقة برائحة الجمر، نوعًا من الوفاء، أو اهتمامًا تاريخيًا. لكنه، في الحقيقة، ضرورة. لأن الخطر لا يكمن في تكرار الحدث نفسه، بل في تكرار الشروط التي أنتجته. وحين يخاف المجتمع من السؤال، وحين يُقدَّس اليقين أكثر من الحقيقة، فإن الأرض تصبح مهيأة لظهور نسخة جديدة من المأساة. ربما لن تكون هناك نار، لكن ستكون هناك وسائل أخرى. السؤال الجدير بالطرح ليس: لماذا قُتل هؤلاء؟ ولماذا خاف العالَمُ منهم؟ بل: هل نحن أكثر تسامحًا مع الاختلاف؟ هل نقبل النقد؟ وهل نسمح بوجود أفكار لا توافق قناعاتنا؟ أم أننا - بشكلٍ أو بآخر - لا نزال نبحث عن طرق أقل عنفًا، لإسكاتها؟ كما أن هناك سؤال لا يقل إلحاحًا عن سابقه: من هم هؤلاء الذين أحرقوا المفكرين؟ هل كانوا وحوشًا؟ أم كانوا - ببساطة - بشرًا خائفين؟ والحقيقة الأكثر إيلامًا هي أن الجلادين لم يكونوا دائمًا شريرين. بل كان كثير منهم مؤمنين، مخلصين لمعتقداتهم، مقتنعين بأنهم يدافعون عن الحقيقة. وهنا تكمن المصيبة الكبرى، وذلك حين يتحول اليقين الضال إلى سلاح قاتل، ليصبح الإنسان قادرًا على ارتكاب أبشع الجرائم دون أن يشعر بالذنب. وحين يتزيّن الجهل بثوب الحقيقة، يصبح القتل فعلًا أخلاقيًا في نظر القاتل. وهذا ما يجعل الظاهرة مستمرة. لكن في جميع الأحوال يتحتم علينا الإصغاء إلى صوت التاريخ الذي يجادل دائمًا: أن الفكر ينتصر على النار. بل في كثير من الأحيان النار تمنح الفكرَ حياةً أطول.