الخبل الموصّى!

ثمة نموذج من الشخصيات يقلقني بقدر ما يلفتني إلى شعوره النفسي وما ينطوي عليه من طباع مخيفة إذ يمكن أن يستثار بلا سبب، ويدخل في عراك لا يعنيه أو ليس له علاقة به من قريب ولا من بعيد. طالما خشيت من هذا النوع في المجالس، فبمجرّد ما يهمس أحدهم في أذنه أنك تقول فيه كذا وكذا، لا تشعر إلا بلكمة خاطفة لا تدري سببها، ودون أن يتأكّد حتى من حقيقة الأمر، فهو من النوع الذي يُوقَدُ بكلمة ويشتعل بعود ثقاب مبلول. هذه الشخصية بوسع كلّ أحد أن يدفع بها في خصومة بلا أسباب، وهي غالبا ما تأتي قويّة ساذجة، تمنحها القوة فتوّة بدنية غير أن السذاجة تحيلها إلى ما يشبه الديناميت القابل للانفجار في أيّ وقت وعند أي لكزة أو وكزة.  واجهت هذه الشخصية في الحياة وسبرت طبيعتها النفسية، فبدا لي أنها تعاني من متلازمة الظل، فتبحث عن الحضور من طريق التعلّق بأي سبب يثير شغبا يجلب لها الانتباه ويضعها في واجهة المشهد.   حين يجمعني بهذه الشخصية مجلس أشعر بقلق من وجودها، فأميل إلى الصمت مخافة أن يفسّر كلامي أو يستثمره أحد الخبثاء في الوشاية بي أو تحريشه عليّ فيكون ذلك المجلس بداية عراك لا ينتهي، ودخول في نفق مظلم مع هذا الخبل الموصّى، دون حتى أن أملك حق معرفة السبب الذي يجعلني طرفا في هذه الخصومة المفتعلة. مثل هذا النموذج يستحق الإهمال وعدم فتح باب الحوار والجدل معه، ولا باب الكلام، فالصمت أشبه ما يكون، في هذه الحالة، بإطفاء النور وتركه يسبح في الظلام.