أنت البعيد القريب
هناك بعض المُهتمّين بالفكر والأدب، المُنبهرين بأرباب القلم من الكُتّاب والشُّعراء، المُتابعين لأعمالهم بحرصٍ وشغف، والمُتسقّطين لأخبارهم وإنتاجهم.. ولكن هؤلاء لا يُحاولون الاقتراب من أولئك الكُتّاب والأدباء على المُستوى الشخصي، أو التعرّف عليهم عن قُرب، بالرغم من الفُرص الكثيرة التي ربّما أُتيحتْ لهُم، لأسبابٍ مُتعدّدة، فهُم في ذلك كما قال الشاعر “فاروق شوشة”: يا غائباً لا يَغيبُ أنتَ البعيدُ القريبُ ومن هؤلاء الذين مرّوا بهذه التجربة الكاتب الأستاذ “عبدالوهاب مطاوع”؛ الذي وصف ما عاناه طويلاً من ذلك التصرّف الذي لم يجد له تفسيراً مُقنعاً. فلقد أحبّ “مطاوع” الأستاذ “عبّاس محمود العقّاد” وقرأ له كلّ أعماله، وانبهر بثقافته الموسوعية وشخصيته القوية الطاغية، وكان له صديقٌ يذهب إلى ندوة “العقّاد” الأسبوعية في بيته بمصر الجديدة صباح كلّ يوم جُمعة، ويروي “لمطاوع” عن وقائع الندوة، وماذا قال الأستاذ، وكيف علّق على الأحداث الجارية، وكيف أطلق نُكتةً عبقرية لا يقولها سِواه ولا يفهمها إلا أصحاب العقول الذكية مثله. وكان مطاوع يستحثّ صديقه ليحكي له كلّ التفاصيل، فيدعوه صديقه للذهاب معه إلى ندوة الأستاذ في الأسبوع القادم، لكنه يتردّد ثم يُحجِم ويعتذر! ومنذ صباه المُبكّر، فُتِن “مطاوع” بأدب الأستاذ “نجيب محفوظ”، وقرأ كلّ أعماله أكثر من مرّة، واستمدّ منها جُزءاً كبيراً من ثقافته ورؤيته للحياة. وكان يرى “محفوظ” عن بُعد في مقهى “ريش” بوسط المدينة، جالساً بين أصدقائه وتلاميذه، فينظر إليه “مطاوع” بامتنانٍ شديد وحُبّ، ثم يدعوه أصدقائه للانضمام إلى مجلس “محفوظ”، ويؤكّدون له أنه يُرحّب بالجميع، فيتردّد ويعتذر. وقرأ “مطاوع” مُعظم أعمال الأستاذ “توفيق الحكيم”، وأحبّه كثيراً في صباه وشبابه، وكان وصديق له يتبادلان الحديث عمّا يقرآنه في الصّحف عن نوادر “الحكيم” الشخصية وشائعات بُخله وخِفّة ظِلّه، كما لو كانا يتحدّثان عن صديقٍ مُشترَكٍ لهُما في مثل سِنّهما ويضحكان لها. ثم عمل “مطاوع” في جريدة “الأهرام”، فأصبح يرى “الحكيم” داخلاً إلى مبنى “الأهرام”، فيُفسح له الطريق حُبّاً واحتراماً، ويركب معه المصعد أحياناً، ومع ذلك لا يٌحاول اقتحامه أو الاقتراب منه، استجابةً لما سمعه عنه من عزوفه عن الكلام مع الغُرباء، وحُبّه للصّمت والاستسلام لشرود الذهن، فقد عُرف “الحكيم” أنه قد يُمضي الساعات بين أصدقائه بلا كلام إذا لم يجد رغبة فيه. ثم أن صديقه “أحمد بهجت” اصطحبه يوماً إلى مكتب “الحكيم” ليُجري معه حديثاً صحفياً، فاكتشف أن هذا الأديب الكبير الصامت تُفاجئه أحياناً نوبات كلامٍ إذا استشعر الأُلفة والمودّة، فينطلق في الحديث لفترةٍ طويلة، يخلُب خلالها لُبّ من يسمعه بخِفّة ظِلّه وتعليقاته الذكية وثقافته العميقة. لقد كانت تلك المرّة الأولى والأخيرة التي يُحدّث فيها “الحكيم” ويستمع إليه، مع أنه عاصرهُ في “الأهرام” نحو 25 عاماً، ورآه خلالها داخلاً المبنى أو خارجاً مئات المرّات! وكمُعظم أشخاص جيل “مطاوع”، سحرتهم شخصية الدكتور “طه حسين”، ومواقفه الفكرية ودفاعه عن الثقافة والتنوير، وتلقّوا من أدبه وكُتبه ودراساته أول زادهم الثقافي والفكري. وحين التحق “مطاوع” بقسم الصحافة في كلية الآداب بجامعة القاهرة، كان “طه حسين” يُلقي مُحاضرة أسبوعية على طلبة قسم اللغة العربية، لكن المُدرّج كان يضيق بطلبة الأقسام الأخرى، وبالوافدين من خارج الجامعة، ونجح “مطاوع” ذات مرّة واحتلّ مكاناً في مقاعد المُدرّج الأولى ليرى الدكتور عن قُرب. فرآه بعد قليل يدخل ثم بدأ الحديث بصوتٍ خافت، فإذا بالقاعة الصاخبة تصمت، حتى لتسمع صوت الإبرة لو وقعتْ على الأرض، وإذا بمحاضرته تمضي في لمح البصر، فما درى “مطاوع” إلا بصوت “طه حسين” وهو يُنهيها مودّعاُ تلاميذه، ثم ينصرف. ومع ذلك فلم يسعَ “مطاوع” حين عمل بالصحافة إلى إجراء أي حديث صحفي معه، كما فعل زُملاء كثيرون، ناهيك عن مُحاولة زيارته والاستماع إليه عن قُرب. ولقد تساءل “مطاوع” مع غيره من المُهتمّين عن أسباب ذلك الشعور الغريب الذي يُساورهم، وحاروا في أمرهم، وبدا التساؤل ومحاولة تفسير مواقفهم تلك على ألسنتهم وكتاباتهم. ربما كان ذلك التصرّف ناتجاً عن شفقتهم على أنفسهم من أن تختلف تلك الصورة المثالية الجميلة التي رسموها لهؤلاء الأدباء الكبار في مُخيّلتهم عن الواقع الذي يعيش فيه البشر بقسوتهم وضعفهم. وربما آمنوا بأن الاقتراب الشديد يطمس أحياناً بعض معالم الصورة، التي لا تُرى بوضوح إلا من مسافة معقولة.. تماماً كما نفعل حين نُشاهد لوحة جميلة مُعلّقة على الحائط، فنتراجع إلى الخلف بضع خطوات لنستوعب كامل تفاصيلها وأبعادها.