الجنون البارد.
1 يروي ابن الجوزي في كتابه أخبار الحمقى والمغفلين « أُدخل إبليس على فرعون. قال: من أنت؟ قال: إبليس. قال: ما جاء بك؟ قال: جئت أنظر إليك فأعجب من جنونك. قال كيف؟ قال: أنا عاديت مخلوقا مثلي، وامتنعت عن السجود له فطُردت ولُعنت، وأنت تدعي أنك أنت الإله! هذا والله الجنون البارد». تبدأ الحكاية بفعل مبني للمجهول (أُدخل). تتجاوز دلالة هذا الفعل الحكاية ذاتها؛ فغياب الفاعل يحول الحكاية إلى واقعة؛ لنقل واقعة كونية لا تحتاج إلى تعيين كما لو أن المواجهة مدبّرة لكشف دراجات الجنون. فإبليس لم يدخل على فرعون بإذن من فرعون، ولم يدخل بقوته الذاتية، ولا بقوة آخرين بل (أُدخل). هكذا بالبناء للمجهول ليكون شاهدا ومقارنا، وهو دور مجازي يهيئ مفارقة الحكاية. يقرّ إبليس بخطئه حين عادى مخلوقا مثله (آدم) وامتنع عن السجود له. وهو اعتراف يستند إلى إدراك إبليس الفرق بين العصيان وبين الادعاء. فإبليس يعترف بأنه خاصم مخلوقا مثله، وهناك دلالة أساسية لعبارة (مخلوقا مثلي) فهي تشير إلى أن العداء عداء أنداد برتبة وجودية واحدة، وليس تمردا على الخلق، ولا خصاما مع خالق، ومع ذلك حدث له ما حدث، فما بالك بمن يدّعي الألوهية. بدأ حمق إبليس حين قارن نفسه بغيره، وليس بمنازعة الخالق سلطانه. عندئذ يصبح ادعاء فرعون الألوهية تجاوزا للحدّ الأعلى، وليس مجرد سوء تقديره. تزداد المفارقة حدة حين يُقسم إبليس بالله. فالقسم في الحكاية ليس تفصيلا بلاغيا، ولا تزيينا للحكاية بل علامة على أن إبليس، على رغم عصيانه الخالق، لم يفقد إدراكه لمقام الخالق، ولا لشرعية اسمه، في حين أن فرعون فقد هذا الإدراك كلية. ومن هذه الزاوية يُظهر ابن الجوزي أن إبليس أحمق، لكنه ما يزال يحتفظ ببقايا وعي بقدر الخالق، بينما تجاوز فرعون ذلك. يدعم الوصف (الجنون البارد) تجاوز فرعون الحد الأعلى. فهذا الوصف يحمل دلالة نوعية مهمة. فالصفة (البارد) لا توحي بجنون اندفاعي أو انفعالي، ولا بصلف أو نزق أو حتى بمزاج معكر، بل إلى توحي بجنون محسوب ومقصود، يخلو من الهياج والانفعال ويستند إلى ادعاء هادئ ومستمر. لم يصدر جنون فرعون البارد عن لحظة طيش عابرة، بل صدر عن قناعة. لذلك فهذا الجنون البارد أخطر من الجنون العادي الذي يمكن أن نصفه هنا بالجنون الحار أو المنفعل أو ما أي وصف يعبر عن المعنى. تُرى؛ ما هذا الجنون البارد؟ جنون السلطة حين يستوطن الجنون خطابها، ويغدو يقينا، وليس نزقا أو صلفا، أو زلة لغوية؛ كما لو أن الحكاية تعيد ترتيب سلّم الحمق: من العصيان الناتج عن القياس الخاطئ، إلى الادّعاء المطلق الذي يمحو الفارق بين المخلوق والخالق، وهو جنون أهدأ شكلا، لكنه وأشد هلاكا. 2 يزاحم إبليس ابن الجوزي نفسه في تعريف الحمق. فابن الجوزي يُعرف الحمق تعريفا مركبا؛ فلا يحصره في الجهل ولا في الخطأ أو النسيان فقط، بل يزيد على ذلك ضعف العقل. فالحمق عند ابن الجوزي لا يعني غياب المعرفة، بل يعني قصورا في إدراك الأحمق موقعه؛ كأن يخطئ الإنسان في تقدير مرتبته وحدوده، ثم يُصّر على استصواب الخطأ الذي ترتب على ذلك. بمعنى ما يتأسس الحمق عند ابن الجوزي على جهل الإنسان بقدره، ونسيانه مقداره، ثم غفلة بوصفها حالة ناتجة عن هذا القصور. وبهذا المعنى، يمكن للعاقل أن يتحول إلى أحمق، لا حين يخطئ، بل حين يُقيم خطأه مقام الصواب. في المقابل يقدم إبليس تعريفا ضمنيا للحمق يستمده من تجربته هو ذاته. فهو يعترف بخطئه حين عادى مخلوقا مثله، لكنه لا يرى في فعله تجاوزا لمقام الألوهية. ومن منظوره هذا بالذات يتعجّب من فرعون، لأن فرعون لم يخطئ في تقدير الرتبة بين الخالق والمخلوق، بل ألغى الرتبة ذاتها حين ادعى الألوهية. يمكن القول بأن إبليس يعرف الحمق بأنه تجاوز المخلوق الحد الأعلى. ويتمثل هذا التجاوز في الانتقال من حالة عصيان المخلوق كما فعل إبليس نفسه حين عصا الخالق إلى حالة الادّعاء كما ادعى فرعون الألوهية، ومن المقارنة بين الأنداد المخلوقين إلى محو الفارق بين المخلوق والخالق. ولهذا يصف إبليس فعل فرعون بأنه الجنون الهادي (البارد) الذي لم يصدر عن انفعال، بل عن قناعة متماسكة. يستند تعريف إبليس للحمق إلى طبيعة الحمق، وإلى المحافظة على الاعتراف بقدر الخالق والمخلوق، بدليل قسمه بالله، بينما يتجاوز ابن الجوزي هذا المستوى من الاعتراف ليجعل الحمق بنية معرفية سلوكية تنتقل من الخطأ إلى الإصرار على الخطأ لينتهي الأمر بالغفلة كما فعل إبليس تاريخيا ثم تبعه فرعون. يظل تعريف إبليس للحمق نسبيا يستند إلى المقارنة، بينما تعريف ابن الجوزي كلي وبنائي، يفسر كيف يمكن أن يصبح العاقل أحمق، بل أحمق من إبليس نفسه، حين يفقد وعيه بالمقام والمرتبة ويصر على ذلك. وبالرغم من الفروق التفصيلية بين تعريف إبليس وابن الجوزي إلا أن تعريفهما تلتقيان في أن الحمق ليس ضعفا في الذكاء، ولا نقصا في المعرفة، بل الحمق خطأ في إدراك المقام والرتبة والسياق. وهو ما يجعل التحول من العقلانية إلى الحماقة أعمق في الدلالة، هو وصف ابن الجوزي حمق إبليس بأنه أشد من كل فعل مغفّل، وهو صف لافت، لأن ما فعله إبليس حمق من حيث محتواه وموقعه وسياقه. وفق ابن الجوزي ارتكب إبليس المعصية بسبب سوء تقديره للمقام. إبليس جاهل لكن جهله ليس نقصا في المعرفة، بل خللا في إدراكه المكانة، أي في معرفته المكان الذي يقف فيه بالنسبة إلى الأمر الإلهي. 3 يربط ابن الجوزي بين نسيان إبليس وحمقه، لكن ليس من جهة فقدان إبليس لذاكرته، بل من جهة نسيانه الحدود التي تضبط العلاقة بين المكلف (اسم فاعل) والمكلف (اسم مفعول). يتداخل جهل إبليس ونسيانه لينتج عن التداخل حالة حمق مركبة. فحمق إبليس لم ينشأ من عدم العبادة أو قلة المعرفة، بل من نقص وعيه بالمقام، وهذا النقص هو ما يحول العاقل إلى أحمق لأنه ينسى موقعه. يمكن تحسين الفكرة التي نعالجها بلفت الانتباه إلى أن ابن الجوزي يرى أن ابن الراوندي أحمق من إبليس. لكنه لم يورد أي حكاية عنه لأنه يستعظم ما قاله. لكن في الوقت ذاته يورد حكاية إبليس كاملة، وبدون تحفظ، بل ويسمح له بأن يقسم بالله، ويحكم على دعوى فرعون بأنها الجنون البارد. لو قارنا هذا بذاك فلن نستطيع تفسير ذلك بالتمييز بين الحق والباطل فقط، بل أيضا بالتمييز بين مقامين من مقامات الكلام التداولي. فكلام إبليس محصور داخل حكاية تفرغ كلامه من أي إمكان للتبرير، الأمر الذي يجعله كلامه خاضعا لسرد يحدّد معناه، ويضعه في موضع العبرة. أما كلام ابن الراوندي، فهو قول بشري قابل للانتشار، لذلك امتنع عن إيراده لأن ذلك يمنحه حياة تداولية خارج سياقه النقدي. لا يعكس استعظام ابن الجوزي كلام ابن الراوندي وعدم إيراده ضعفا في الجرأة النقدية، بل وعيا بخطر النقل ذاته. ومن هنا يمكن القول إن ابن الجوزي يفرّق بين الكلام الذي يُنشر لكي يدان وبين الكلام الذي يُمنع لكي لا يُتداول. وهذا الفرق جزء من استراتيجية الكتابة بين السطور. فالبيان لا يوجد دائما في الكلام، بل في رسم حدود منع الكلام. وهكذا فعدم إيراد كلام ابن الراوندي فعل نقدي بحد ذاته، يوازي في دلالته إيراده، ويؤكّد أن أخطر أشكال الحمق ليس في الكلام وحده، بل في سوء تقدير مقام تداوله. يورد القرآن قصة إبليس، لأنه كتاب إلهي يملك القدرة على كشف منطق الكلام الأحمق من دون أن يخشى من انتشاره. أما الكتاب البشري فلا يستطيع ذلك. ومن ثمّ فإن نقل بعض الأقوال ككلام ابن الراوندي قد يكون في ذاته فعلا أحمق، لا لِما فيه من مضمون، بل لما يتيحه من إمكان التلقي الخاطئ. وهنا يبدو الفرق بين المعرفة من حيث هي كشف وبين المعرفة من حيث هي نقل. يتحرك ابن الجوزي في ضوء فكرة ضمنية مفادها أن الصمت ليس فراغا، فخطر الكلام قد يكون أشد من السكوت. ولأن ابن الجوزي يؤلف تحت ضغط المجالين العقدي والاجتماعي؛ فهو يوازن بين فضيلة الكشف ومسؤولية الرقابة. ومن ثم، لا يكون الصمت في حالة ابن الراوندي نقصا في النقد، بل ذروته؛ إذ ينتقل النقد من الكلام إلى الحق في الكلام، أي مساءلة من يتكلم، وما مقامه، ولأي جمهور.