ضيق الاتساع .!
ليست كل النفوس تتسع للآخرين، فهناك من يستطيع أن يرى النجاح أمامه دون اضطراب، ويسمع الثناء على غيره دون أن يشعر بأن شيئاً انتزع منه، وهناك من يضيق صدره لمجرد أن اسماً غير اسمه ذُكر بخير، أو أن شخصاً آخر نال كلمة إعجاب عابرة في مجلس أو لقاء أو حتى حديث عفوي لا يقصد به المقارنة أصلاً. بعض الناس لا ينظر إلى المديح بوصفه تقديراً لمستحق، بل يراه توزيعاً محدوداً للفضل، فإذا ذهب جزء منه لغيره شعر أن حصته قد نقصت، وكأن المزايا لا تتسع إلا لشخص واحد، أو أن الاعتراف بجمال الآخرين ينتقص من جماله، مع أن الحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك. ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن هذه الحساسية لا تظهر دائماً بصورة مباشرة، بل تتخفى أحياناً خلف تعليقات عابرة، أو محاولات للتقليل من الممدوح، أو استحضار إنجازات شخصية لا علاقة لها بالموقف، وكأن النفس تحاول أن تستعيد توازنها سريعاً بعد كل إشادة لا تمر عبرها. وفي المقابل، تبقى النفوس الواثقة أكثر هدوءاً واتزاناً؛ لأنها لا تبني قيمتها على غياب الآخرين، ولا تشعر أن بروز أحد يعني اختفاءها. فالإنسان الحقيقي لا يضيره أن يرى حوله من يستحق التقدير، بل إن اتساعه للناس جزء من اكتماله الإنساني، ودليل على تصالحه مع نفسه قبل أي شيء آخر. ولهذا نجد أن بعض الشخصيات كلما ارتفعت مكانتها ازداد تواضعها، وأصبحت أكثر قدرة على الاعتراف بتميّز غيرها دون حرج أو حساسية، بينما تظل النفوس القلقة منشغلة بالمقارنات، مترقبة لأي كلمة ثناء وكأنها اختبار شخصي يجب ألا يخسره أحد. والمشكلة أن ضيق النفس لا يرهق صاحبه وحده، بل يفسد جمال العلاقات أيضاً. فحين يتحول الثناء إلى ساحة تنافس خفي، يفقد الناس عفويتهم، ويتردد البعض في قول كلمة طيبة خشية أن تُفهم على أنها اصطفاف أو انتقاص من آخرين. ومع الوقت تصبح المجالس أكثر تحفظاً، وتفقد الكلمات الصادقة بساطتها المعتادة. أما النفوس الكبيرة فهي تدرك أن الفضل واسع، وأن الحياة ليست سباقاً على كلمة إعجاب، وأن الناس يمكن أن يكونوا مميزين في الوقت ذاته دون أن يلغي أحدهم الآخر. فالنجاح لا يختصر في شخص، والقبول لا يحتكره أحد، والإنسان الواثق لا يحتاج أن يخفت من حوله ليشعر بأنه ظاهر. ولعل أجمل ما في أصحاب النفوس الواسعة أنهم لا يربكون الآخرين بحساسياتهم، ولا يحوّلون كل إشادة إلى معركة خفية، لأنهم ببساطة يدركون أن الامتداح الذي يذهب لغيرهم لا يسلبهم شيئاً، وأن القلوب المتزنة تتسع للناس كما تتسع السماء للنجوم.