تهدف هذه المقالة إلى استكشاف وفهم مفهوم التكرار في أعمال سورين كيركغارد . في عالم كيركغارد التكرار حركة زمنية متأزمة مرعبة للوجود وحين كنتُ أرى دوماً مفهوم فلسفة الظلامية كتأسيس أدبي عميق ومرعب لطالما ربطته في أعمال (إدغار الان بو) لديه حسيه فاخرة بالظلام، لكن ايضاً أدركت ظلامية حقيقة غير مرئية انتبهت لها وانا اقرأ لسورين كيركغارد عبر سنوات طويلة ولفتني ان لديه ظلامية حقيقية غير مفتعلة لشكل الرعب الوجودي المعكوس للزمن ! الشكل لكل شيء وهو ما يعنيه الوجود وأربكني هذا التصور ان تعامل به كيركغارد بشكل أعمق من نظرائه الروائيين وحتى انه لا يصنف في أعماله. في محاولته يصور الفيلسوف الدنماركي التكرار من خلال مقارنة ثلاثة مناهج مختلفة للحياة, وأسعى في هذه المقالة إلى تتبع حجة متماسكة حول نظرية الفئة الفلسفية الجديدة عبر تحليل أنواع التكرار الثلاثة ونماذجها البشرية المقابلة، ولأني أعتبر التكرار مفهوماً أساسياً في تلخيص نظرية كيركغارد عن الوجود، والذي يصور الوجود إلى صيرورة الذات الإنسانية التي تمر بمراحل متعددة في غرفة واحدة تكرر الشكل الشعوري في ازمنة مختلفة . من الواضح أن جميع الأمور الأساسية كالحرية والكرامة الإنسانية مرتبطة بهذا المفهوم، وكنتُ في حيرة من أمري بشأن هذا المصطلح حاولت تطبيقه بطريقة أقرب إلى الفلسفة الرواقية (هايبونيماتا) أي ما يعنيه تحت الذاكرة، والتي تقوم على التأمل والتذكر، فكل هايبونيماتا فعل ادراكي لتشكيل الأفكار والمعتقدات، ولكن من منظور كيركغارد هل المقصود هو التذكر المستمر لتدفق الزمن لنكون حاضرين في هذه اللحظة بالذات؟ أي أن نتجاهل الماضي والمستقبل مع إبقاءهما حاضرين في أذهاننا أثناء أفعالنا؟ ماهو التكرار وما معناه الواقعي بالنسبة للوجود الإنساني؟ التكرار والتذكر هما نفس الحركة لكن في اتجاهين متعاكسين، لأن ما قد نتذكره قد ذُكر بالفعل، وبالتالي يعاد إلى الوراء، بينما التكرار الحقيقي هو تذكر للأمام لكن حين نحيله لمفهوم كيركغارد فهو مصطلح مختلف وقد يواجه المترجمين صعوبة في فهم السياق ذاته في عالم كيركغارد في اللغة الدنماركية ولأن التكرار في إثنية إرثه اللغوي أكثر ارباكا في الشعور اكثر منه في اللغة، المصطلح الدنماركي للتكرار هو gentagelsen (أو Gjentagelsen في الدنماركية في القرن التاسع عشر) وهو تعبير مركب مشتق بدوره من الظرف igen (بمعنى مرة أخرى) لذا، فإن gentagelse تعني حرفياً “يأخذ مرة أخرى” وهذا، باختصار ما يعنيه في رأيي بالنسبة لكيركجارد. كتاب التكرار يدور أساسا حول الزمن وكيف يتدفق الزمن بلا انقطاع منتزعاً منا كل لحظة ثمينة من وجودنا كقوة مد وجزر لا تقاوم تلقي بها فوراً في محيط الماضي الذي لا يستعاد, وكيف أن الزمن بلا رادع و وله سلطة الحرمان بشكل غير مرئي من حياتنا وكأننا نسبح بشراسة نحو المستقبل في محاولة لإنقاذ أنفسنا لكن هذا الجهد منهك امام فم ضخم يبتلع كل ما يتقدم اليه او يعود للخلف فالنتيجة واحدة . في عام 1834 حين نشر سورين كيركيغارد التكرار تحت الاسم المستعار ( كونستانتين كونستانتيوس ) وهو ما رمز اليه (بالكتاب المجنون ) بدلا من اسمه الأصلي كتاب التكرارمن قبل مؤلف مفهوم الرعب فيرجيليوس هوفنينسيس، وكيف ان للتكرار ان يكون اكثر شكل مرعب لشكل الحياة ؟ التكرار هو أحد أكثر المصطلحات الموجودة في أعمال كيركيغارد إشكالية فهذه الحركة كديناميكية تفكك النظام المزعوم لسلسة الزمن للماضي والحاضر والمستقبل ولتحقيق هذه الغاية يختزل مفهوم سورين كيـركغـــارد للتكـــرار كمفهوم يعارض فهم أفلاطون للتذكر، وتبين أثر هذا المفهوم على تأملات جيل دولوز حول الاختلاف والتكرار، إضافة إلى الفهم الأخلاقي لجان فرانسوا ليوتار للتذكر وإعادة الكتابة واختلاف الرؤية الأدبية لجانيت وينترسون عن الزمن الملتوي، ولأن أفعال إعادة الكتابة وإعادة قراءة مواقف الهوية الثابتة في الزمن اكثر من أن تناقش موضوعياً ولأن جزء من شكلها الشعري يوضح كيف أن هذا الهيكل يفكك فكرة تشوه الزمن المتكرر والتقدم ويستبدلها برؤية التكرار كحركة نحو مستقبل غير محدد . في بدايات القرن العشرين ظهر اسم والتر لوري وهو مترجم تتبع نهج وفلسفة كيركغارد اللاهوتية بهوس و بنشر اثني عشر مجلداً تخص الترجمات كدراسات خاصة بكيركغارد، رأى والتر أنه لا يمكن للمرء أن يجد مصطلحاً أكثر أهمية وبنفس الوقت أكثر إرباكاً في كتابات كيركغارد وفي تكرار المصطلح نفسه، ويولد هذا الارتباك بسبب الطريقة الصارمة التي يختار بها كيركغارد التعامل مع المناقشة بشأن مفهوم التكرار وانه منزوع تماماً من الإطار المفاهيمي وهو ما يحيله إلى نفس المفهوم غير المعلن تحت أي تصنيف وهذا الغموض المرعب مفتوح الفوهة على الدوام . حول نظرية الفئة الفلسفية الجديدة فكرة أن الممارسة المتكررة قد تبدو مقيدة لكنها في الواقع تمنح حرية في بعض الحالات في فنائها، اي بمعنى كيف لشخص أضاع حياته بلا تفكير، ولم يفهم شيئاً سوى تبديد طاقة روحه في أوهام زائفة ولإعادة النظام إلى بعض الفوضى التي أحدثها خلال حياته الطويلة كتب كيركجارد في مذكراته حول ما يدور داخل الرسالة السرية ( بعد موتي ) وهي امتداد لحركة التكرار حتى في الفناء، قال كيركغارد لن يجد أحد في أوراقي وهذا عزائي أدنى معلومة عما ملأ حياتي حقاً ، ولن يجد تلك الكتابة في أعماق كياني التي تفسر كل شيء والتي غالباً ما تجعل بالنسبة لي ما قد يسميه العالم تفاهات إلى أحداث ذات أهمية هائلة، والتي أعتبرها أنا أيضاً بلا أهمية بمجرد أن أزيل الملاحظة السرية التي تفسرها، في علم النفس التجريبي واجه المؤلف أعظم أزماته عندما تنازل عن مبادئه، اضطر إلى الاعتراف بنفسه على أنه “استثناء من القاعدة العامة واللحظة التي تقاس على المؤلفين المشهورين والذين يُنظر إليهم على أنهم يعيشون المرحلة الجمالية وهي أن تنظر باستمرار إلى ما وراء هذا المجال من تجربتهم ورؤية الاكتمال الثقافي والإجتماعي الديني للصراعات التي يشهدونها في داخل الهوية الذاتية. كانوا قادرين على الرؤية ربما كانوا خارج حدود العجائب، إحداث التكرار في عوالم كيركغارد لم يكترث معاصروه بهذا التفصيل والذي كان الأفضل من بين جميع المقدمات المعكوسة لشكل الوجود . *كاتبة ومترجمة. الرياض