حياةُ شيء وآخر…
يحبطني غيابُ المعنى؛ ماءُ الحياة المستَسقى من وجهك. تُرى… كم من وجهٍ في حياتك يُحييك صوتًا أو بأدنى التفاتة؟ ربما يجيب من لا يفكر في السؤال مليًّا: «كثير!»، وربما يقول المحزون: «لا أحد»، والمغلوب على أمره شوقا سيذهب عقله بعيدا، نحو من يوحّد شتاته دون مجهود، (اسم واحد) فقط يعرف أنه ينقصه عميقا. وأنا أعرف ما ينقصني دائما كمعرفتي بعَرَضٍ مرضِيٍّ أتقصّدهُ بالعافية. لا وجوه تفرّ إليها إلا وهي صادقة، دع عنك رأيك أو صدقك إذ قد يُشاب بألف شائبة، أغراض النفس لا تنتهي، لكنّ القِبْلة واحدة. البوصلة مستقيم إصبعها كأنها تلقى الله بما آمنتْ به، أنا وأنت والماضون والآتون نتَّجِهُ مثلها في النهاية فقط، أما أرواحنا فتعرف الوجهة متى ما ضاقت. لذا؛ لا يكذب ضيقُكَ نحو وجهته حين تذكُرُ (أحدا) بعينه وأنت مكروب. والمشتاق مكروب أبدا، وأحكام القلب نافذة، نلبِّيها كأننا أدوات، وننصاع لها رغم ظلمها أحيانا، مع أنَّ القلب عدو محبب، وحبيب عدوانيّ، والغلبة للصدق في الكلمة الأخيرة من الحكاية، لكنّ الغلبة لا تعني الانتصار. للصدق ألمه المزمن، وتعقيد القصص أكبر من لونين محايدين، ولا لون للمفقود في وجه من لم يأتِ بعد… فأي معنى لا يحبطني بعد هذا؟ لي عادة قديمة في الضيق حيث أفرُّ منه في المعجم. أتصفح القواميس وأنغمس بها. تبهجني الكلمات حين تتقلب، ليست مثلنا، فوجهها يتبع روحها. إنها لا ترتدي الأقنعة! وكم تعجبني درجة وضوحها، وأحب رؤيتها وهي تتغير وتتناقض؛ إذ تتنازع المعاني بينها، ترتدي واحدا، وتطرح آخر، وتُركِّب من هذا وذلك ما نعجب منه. أتخيلها أمام حبل غسيل، أو على خشبة عارضِينَ كأنهم دمى، بتقليعات شتى يحتشد لإطلاقها من يظنون أنهم علية قومٍ ما. أرى عروض الكلمات في معجم أو اثنين، أشتت نظري قليلا عما يدور في رأسي أو قلبي. أدوّن بعض ما أقع عليه، وأنسى الكثير. و(أسماء) من نحب تبيتُ هناك أيضا، مطوية بصفحات ونائمة منذ قرون، لا تعلم ماذا تفعل بنا بأصواتها على أرض الواقع، أو كيف تجعل كثيرين من المولعين بها ممن هم خارج المعجم مجانين أكثر من خيالاتي حول الكلمات. كيف نوقظ كلمةً في المعجم من نومها الطويل؟ كيف نهزها لتتشكل فيمن يمثلها هنا في الحياة؟ كيف نخبرها أنَّ باستطاعتها إقامة مسرحها من وجوه مرتديها، من يحوزنا أحدهم سعادةً وشقاءً وباسمه المجرد فقط؟ هل ستعرِّيهم منها ليبحثوا عن غيرها؟ أو ستطلبهم ليذهبوا معها في طي النسيان؟ أو تقاضيهم بتلك الرجفة التي تصيبنا منهم باستعمال أصواتها في غير محلّها؟ بقضية الصدق نفسه؟ أقلّب المعجم منذ البداية تسليةً، لكنّ الجروح هي الأخرى تقع دون قصد، كجرح أطراف الورق لأصابعي، كأنَّ الأوراق تحذرني، كنصائح من حولنا! وما يعيق حدوثَ الجرح لا يكمن في الحماية المفرطة، ولا القبول والإذعان، بل خوض التجربة بـ (صدق)، ولا يمنع هاهنا أن يُشاب الصدق بالحذر، وأن يُحاط باليقظة، يمكن أن تكون للصدق اشتراطاته التي تحفظ نقاءه من الغباء والاستغلال، لكنّ المعنى المفقود خلل يعيد ترتيب كل شيء رغما عن صدقي. أرى ذلك في وجهي من جملة أشياء أخرى، لكنني لا أعرف كيفيةً لاستعادة الحياة بداخله. لا يقول لي المعجم شيئا خاصا يرشدني، فمنذ البداية وهو يرهق خيالاتي وحسب، ولم يتبق لي سوى عبور خللي بصدق، ربما سأجد المعنى حيث تكون آثار الغياب نفسها… لا أعلم. ولا وجهَ لك تأتي به، لأن التأخُّر يجرح عمق الصدق، فالأشياء الصادقة لا تتأخر، لا ينبغي أن يكون الصدق ضعيفا وركيكا بهذا الشكل، متوترا وجلا يبتلع الكلمات وينساها أكثر من معجم مغبرّ، لا ينبغي أن يُتأتِئَ الصدق بما ينوي قوله، فالوقت لعبة أنداده؛ من تطول أعمار الكلام لديهم لأن الفِعال صفريّة، والصدق أجَلُّ من ذلك رغم آلامه المزمنة… لعل هذا ما كان يحبطني منذ البداية؛ ألا تكون الأشياء حيّة بما فيه الكفاية لتأتيني، لتلتَفِتَ وتتكلَّمَ، لأشعر برجفتها لأنني صرتُ موجودة.