في تاريخ الأمم هناك صفحات مفصلية بوصفها جذورًا عميقة لما نحن عليه اليوم. وحين أستعيد سيرة أجدادي العقيلات، تلك القوافل التجارية التي عبرت الصحراء على ظهور الإبل، فإننا نستحضر روحًا إنسانية فريدة صاغت علاقتها بالمكان والزمان على نحو يتجاوز حدود الجغرافيا. في مقالٍ سابق ليّ “العقيلات مرّوا من هنا” تجلّت هذه الروح بوضوح إنساني عميق؛ حين تبدأ الحكاية من نداء الأرض، وليس من ضيقها، ذلك الرابط الخفي الذي يجعل الرحيل وسيلة للبقاء، وأن فكرة الفرار مستبعدة من أرواحهم. فالعقيلي لم يكن مغامرًا يطلب المجد، ولا تاجرًا يلهث وراء الربح فحسب، تواجد في بيئه قاسية، فتعلّم أن يتحرك كي يحفظ جذوره، وأن يبتعد كي لا ينقطع. هذا التوتر بين الرحيل والانتماء هو ما يمنح تجربة العقيلات بعدها الإنساني الأوسع. فقد رأوا العالم، لكنهم لم يذوبوا فيه. شاهدوا السهول الخصبة في الشام والعراق، وقارنوها بجفاف نجد، غير أن المقارنة لم تُنتج رغبة في الاستبدال، لقد أفضت إلى وعي بالفارق، وإلى رغبة في التغيير من غير تفريط بالأصل. ومن هنا تبدأ النقلة الأهم: التحول من الدهشة إلى الفعل. فالعقيلات حينما يعودون محمّلين بالبضائع آنذاك، كانوا يعودون أيضًا بأسئلة كبرى: لماذا يكون هنا رخاء وهناك قحط؟ وهل يمكن أن يتغير هذا الواقع؟ كانت تلك الأسئلة، في جوهرها، البذرة الأولى لوعي اجتماعي جديد أدرك أن الفارق لا تصنعه الطبيعة وحدها، وإنما يسهم الإنسان كذلك في صنعه. هنا تلتقي هذه السيرة الواقعية مع السرد الروائي، في رواية “فيلق الإبل” لأحمد السماري، التي تنظر إلى العقيلات بوصفهم شخصيات متوثبة، ويصنعون جسورًا بين عوالم متباعدة. في هذه الرواية يتحول العقيلي من مسافر في الصحراء إلى شاهد على تقاطع حضارات، حين ينتقل مع قطيع من الإبل (٨٠٠ رأس) إلى الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر، ويؤسس بها “فيلق الإبل”، ويجد نفسه في بيئة جديدة تمامًا، تختلف في تفاصيلها وناسها، غير أنها تشبه الصحراء في جوهرها القاسي، وقسوة الإنسان عندما يستغني عن الحيوان الذي ساعده، ويتركه فريسةً للعطش والتيه. تنجح الرواية في توسيع أفق الحكاية؛ فبدل أن تظل تجربة العقيلات محصورة في المدى العربي، تمتد لتلامس التاريخ العالمي، وتكشف كيف يمكن لرجل بسيط من نجد أن يصبح جزءًا من تجربة إنسانية كبرى. وهنا يتجلى واحد من أهم أدوار الرواية التاريخية: إعادة اكتشاف الشخصيات المنسية، ومنحها مركزها المستحق في السرد. واللافت أن هذا الامتداد الجغرافي لا يلغي ذلك التوتر القديم بين الرحيل والانتماء. فالعقيلي، سواء كان في الشام أو العراق أو حتى في صحراء أريزونا، يظل مشدودًا إلى وطنه الأول. المكان الآخر يظل محطة لا يُقبل به وطنًا بديلًا، وتجربة تراكمية لا هوية جديدة. وهذا ما يعيدنا إلى لحظة مفصلية في التاريخ القصيمي، حين يُعرض على الأهالي الهجرة إلى ضفاف الفرات هربًا من المجاعة، فيرفضون، على الرغم من قسوة الظروف. ذلك الرفض ليس مبنيًا على موقف عاطفي، لقد كان تعبيرًا عن وعي عميق بمعنى الانتماء: أن العلاقة بالوطن علاقة وجودية لا تُستبدل بسهولة. وفي “فيلق الإبل” يظهر هذا المعنى بصيغة أخرى؛ إذ يخوض الأبطال تجربة الغربة في أقصى تجلياتها، لكنهم لا يفقدون ذاكرتهم الأولى. يظلون يحملون الصحراء في داخلهم، حتى وهم يسيرون في صحراء أخرى. كأن الرواية تقول: يمكن للإنسان أن يعبر القارات، لكن جذوره تظل ساكنة فيه. إن الجمع بين النصين، الواقعي والروائي، يكشف بعدًا بالغ الأهمية: أن التاريخ لا يكتمل إلا حين يُروى، وأن الرواية لا تُزاحم الحقيقة، وإنما تضيء زواياها الإنسانية. فالنص التاريخي يمنحنا الوقائع، أما الرواية فتهبنا المعنى. ولعل أعظم ما في تجربة العقيلات أنهم كانوا صانعي تحوّل. لقد رأوا العالم، فعادوا بأفكار عن التعليم والعمل وبناء الإنسان. لم يكتفوا بالحكاية، لقد استطاعوا أن يحوّلوها إلى مشروع حياة. وهنا تتجلى استمرارية الأثر؛ فالأوطان لا تُبنى في لحظة، إنها حقب زمنية، وتراكمات من التجارب، تبدأ بخطوة على الرمال، وقد تنتهي برؤية وطنية متكاملة. كان أجدادي العقيلات تلك الخطوة الأولى، وتأتي رواية “فيلق الإبل” لتذكّرنا بأن تلك الخطوة لم تكن صغيرة كما تبدو، وإنما كانت بداية لامتداد إنساني واسع. وفي النهاية، تبقى الحكاية مفتوحة: حكاية رجال خرجوا من أرض قاسية، فعادوا إليها أكثر قدرة على فهمها، وأكثر إيمانًا بها. وحكاية وطن لم يُبنَ لأنه كان سهلًا، وإنما لأنه استحق الصبر. وهكذا، ما بين الواقع والرواية، ندرك أن العقيلات لم يمروا من هنا… إنهم ما زالوا يسيرون فينا نحن الأحفاد. *كاتب وروائي سعودي.