قراءة في ديوان «صلاة النهر لليابسة» للشاعرة شريهان الطيب..

الفـنّ كفعـل مقـاومــة.

أزل عنكَ أقنعة الخوف ثمّ اقتحم باب أقبيتي كي ترى ـ رغم طين الرماد هنا ـ كيف تنبُتُ زنبقةٌ عن كثبْ سمعتها لأول مرّة تقول: أخبر غمامكَ ألا ينتهي ألا! توقفتُ عند “ألا” هذه، عرفتُ أنّ هنا شعراً. وتوقفت الدهشة عند ذلك. ثمّ أهدتني ديوانها، ديوانها الذي فاز بجائزة الشارقة للإبداع العربي ـ الإصدار الأول ـ في دورتها الثامنة والعشرين عام 2024 م. إذن فهو الإصدار الأول لفتاة سودانية على عتبات العشرين بالكاد. تساءلت متى أنجزت شريهان كتابة الديوان؟!، لا بدّ من ثلاث سنواتٍ قبل تاريخ الفوز على الأقل. وتبنّيت فكرة أنّ موهبة شريهان الشعرية بدأت تتشكّل في خضمّ تمزّق بلدها السودان. ليس لهذا النهر الذي يهجس أن يعبر في ظلّ كلّ هذا اليباس، إلا أن يُصلّي، بأمنيةٍ ضروريةٍ: أخبر غمامكَ ألا ينتهي ألا! يتأرجح الديوان بين قائمتين تُشكّلان صراعاً لا ينتهي، فللبلاد الشحوب والذبول والجفاف، وللشاعرة والأنثى أيضاً ـ وهذا ما سنُشير إليه لاحقاً ـ الربيع والعشب والثمر والهطول. منذ النصّ الأول “نداء العشب للضفاف” تُفصح عن ذلك جليّاً، تقول: خسرتُ ربيعي لم أجد في معيتي سوى وردةٍ في الروح أخشى ذبولها وأجّلتُ ميقــاتي وكوّرتُ بذرتي فلي غيمةٌ تقســو وتنسـى هطـولها وعبّأتُ أنفاسي وصوّبتُ أحــرفي لعلّك تُصغـي ... للتي لن أقــولها إلى أن تُعلن عن توقها إلى موعد الحلم، تقول: بلادي غداً في موعد الحلم نلتقي لتُلبسني في موعد الجــدب نيلها وهاتان القائمتان، كأنهما مرآتان، تنعكس إحداهما على الأخرى، فهي لا تملك الحلم لأن واقع البلاد لا يُسعف، وليس بيدها إلا أن تقاوم بالفنّ، تقول: لا يملك الحــلم يدري أنّ واقعهُ مع البــلاد على موتيهما اشتركا فهذه الشاعرة التي تتشكّل، والأنثى التي تهمّ بغيمٍ ما، يقتلها الانتظار، تقول: في انتظاري... رميتُ ألف حصاةٍ وردة الوقت أســـرفت في الذبولِ أجفـــافٌ في حضــرة الغيم مهلاً يا حبيبي، وذا أوان الهطـــــولِ تهجس بهذا الغيم الذي لا يأتي، “لأنّ غيماً تجلّى في مخيلتي”، رهاناً حقيقياً تقاوم به، ولا تملك سواه على كلّ حال، تقول: أطلقتُ معنايَ لمّا اهتزّ قوس فمي ما بين مرتبــكٍ حينــاً ومنفلـــتِ وكنتُ أعدو ونار الشعــر تأكلني فلا مياه هنا، لا ضوء معجـــــزةِ لن يُفاجئني هذا الإيمان بالشعر كفعل مقاومة، هكذا ينبغي أن يكون، تقول: آنستُ ناراً بوادي الشعر آنستُ وكنتُ وحدي بجمر الكشف أمسكتُ أطارد الضوء حتى كدتُ أدركهُ وكنتُ أمشي على المرآة، لا لستُ .. هذا الإصرار على الضوء، ليس إلا الخوف من الظلّ؛ لذا نلاحظ أنها تُنوّع كثيراً على الظلّ. الظلّ بمعنىً ما يحجب شيئاً، يؤجّل شيئاً ما، الظلّ انتظارٌ والضوء تحقّق، تؤمن كشاعرة وكامرأة أنها تستحقّ، تقول: أنا امرأةٌ بالضوء جئتُ معتّقة هذا الانتظار/ الظلّ لا يمسّ يقينها، تقول: ولا يزال يُربّي الضـــوء منتظــراً يوماً سيمسح عن أكتـــافه الحلكا وتحاول بخفّة أنثى وتطلّع شاعرة، ربط مفردة الظلّ بالجسد، تقول: من في المرايا؟ شحوبٌ يرتدي جسداً وأين ظلّـــيَ؟ قالـــوا: لم يكن معكا وتُطلقها حدّةً وسُخطاً، تقول: أنا الظلال التي قد أنكرت جسداً وكم تفـــرُّ ولا يدنــو لها بيتُ تنوء الشاعرة بهذا الظلّ/ الجسد كثقلٍ، تقول: أسير ولي جســـمٌ ثقيلٌ أجــرّهُ أنا الظلُّ كم حاولتُ أنسلُّ من نفسي فتنثر خفّتها كأنثى، كأجمل ما كتبت من شعر، يُلوّح بكبرياء الأنوثة، وبالطبيعة الملكية للشعر، فالشعر ذو طبيعة ملكية حسب جان كوهن، تقول: لأنيَ موسيقى وروحــــي كمنجـةٌ أُرقّص خصر الليل من كعبيَ العالي وأُهدي إلى أنثى السماوات عطرها وأعجن بالحنّاء غيمي وصلصــــالي أثور على الأغلال، لا أُشبه الدُّمى لأني برجل الريح أوثقتُ خلخــالي هذه الخفّة، التي تحاول بها، التهيّؤ لهطولٍ ما، كانت وكأنها قدر الشاعرة، تقول: كأني ثقلتُ على الغيم حتى سقطتُ، سقطتُ ولم أقصــدِ وتهمس، لعشقٍ يُنتظر: كن خفيفاً على زجاجي خفيفاً شابهِ الريح في عناق الهديلِ وتتجّلى خفّةً، تقول: وأن تمــرّ خفيفاً فــوق أشــرعتي فإنني بالثبــات الآن لا أعــدُكْ وكنتُ أدري تماماً أنتَ أحجيتي وما خسرتُ رهاناتي وتلك يدُكْ إنّ الشاعرة هنا، تراهن على ربيع الشعر القادم لا محالة، رغم شحوب البلاد، ولا تملك إلا أن تبتسم، تقول: تركتُ للناس وجهاً ظلّ مبتسماً كي لا يقولوا ورائي: جُنّتِ البنتُ!