من يبكي على من؟!
في قصيدته الشهيرة التي يرثي بها نفسه، قال مالك بن الريب: “تذكّرتُ من يبكي عليَّ فلم أجدْ سوى السيفِ والرمح الرُّدينيِّ باكيا..” وهذا البيت يمكن أن يكون مديحا للنفس لآخر رمق، لكنه أيضا تعبير عن الفقد لآخر رمق، فماذا لو عاش ابن الريب في زماننا ورأى الناس ينشغلون بهواتفهم المحمولة في المقبرة؟! قصيدة ابن الريب تلك قصيدة يعشقها مدمني النكد الوعظي، لكنها تحمل فلسفة حياة تم تضييعها، انظر مثلا لقوله: “تقول ابنتيْ لمّا رأت طولَ رحلتي سِفارُكَ هذا تاركي لا أبا ليا..” لقد أضاع ابن الريب الكثير من حياته بعيدا عمن يفترض أن يقاسمهم العمر الجميل الثمين، لذلك قال بما يشبه السخرية: “ فللهِ دّرِّي يوم أتركُ طائعاً بَنيّ بأعلى الرَّقمتَينِ وماليا” مالك بن الريب كان يدرك أنه لا السيف ولا الرمح سيبكيان عليه ولا الفرس ستبكي، لكنه قال ذلك من باب محاولة ترقيع وتخفيف المرارة، وقد بدأ القصيدة بـ “ ألا ليت شعري” وكررها في مواضع أخرى في القصيدة، ومعروف أنها عبارة للتمني، لكنها تمنيات في الوقت الضائع. فماذا عنا نحن الذين نضيع العمر بالتقاتل أو اللهو أو التسلية بجوالاتنا؟! لقد انشغل كل من الوالدين عن ابنائه، والأبناء عن والديهم، والزوج والزوجة عن بعضهما، والأصدقاء صاروا غرباء، والحب صار مصيدة، بل حتى الطفل صودرت منه طفولته عبر جهاز لعين افقده البراءة مبكرا وشوه مراحل تدرجه الاستيعابي. من يبكي على من أيها الزمن الذي فقدنا فيه كثير من إنسانيتنا، ثم نلوذ بين حين وآخر للندميات والتمنيات، لعل هذا ما يجيب عليه ابن الريب في قصيدته حين قال : “يقولون: لا تَبْعَدْ وهم يَدْفِنونني وأينَ مكانُ البُعدِ إلا مَكانيا”