حضور دائم في الأدب والمجتمع.
ثمة أشخاصٌ لا تُعرِّفهم مناصبهم بقدر ما تبين عنهم مواقفهم، ولا تُختصر سيرتهم فيما كتبوه أو أداروه، بل فيما تركوه في قلوب من عرفوهم. ومن هذا الطراز يجيء الدكتور حسن حجاب الحازمي؛ إذ يبدو الحديث عنه أقرب إلى استحضار سيرة إنسان، قبل أن يكون استعراضًا لمسيرة أكاديمي وناقد وشاعر، تقلّد مواقع رفيعة، وكان حاضرًا في مؤسسات العلم وصناعة القرار. لأكثر من خمسةٍ وعشرين عامًا من العمل المشترك في الجامعة، تعرّفت إلى وجهٍ آخر لا تلتقطه السير الذاتية؛ وجه الرجل الذي لا يتأخر عن خدمة، ولا يعتذر عن تلبية حاجة، وكأن الناس عنده أولوية دائمة لا ظرف طارئ، كان قريبًا بطبعه، بسيطًا في تعامله، يلتقي بالآخرين دون حواجز، ويمنحهم من وقته واهتمامه ما يجعلهم يشعرون أنهم في موضع عناية حقيقية، لا مجاملة عابرة. لم يكن حضوره الإداري يومًا ثقيلًا أو متكلفًا، بل كان امتدادًا لخلق هادئ، يقوم على الاحترام، وحسن الإصغاء، وتقدير الجهد. وكان يدير علاقاته بروحٍ إنسانية قبل أن تكون تنظيمية، فيوازن بين متطلبات العمل، واعتبارات الناس، في صورة نادرة تجمع الحزم واللطف في آنٍ واحد. إبان فترته وكيلا لجامعة جامعة جازان ترك الكثير من المنجزات بدافع وطنيته وحرصه؛ كان لها الأثر البارز في التعليم العالي وتهيئة الفرص والبرامج الأكاديمية والسعي في إقامة المشاريع التعليمية الكبرى في خريطة المنطقة ستظل شواهد على تفانيه وجهده ومراعاة مصلحة الطلاب والطالبات على حساب وقته وصحته وإذا اتسع المجال خارج أسوار الجامعة، اتسعت معه دائرة عطائه؛ فإسهاماته المجتمعية لم تكن تكميلًا لصورة عامة، بل كانت جزءًا أصيلًا من تكوينه. حضوره في المبادرات، وقربه من هموم الناس، وحرصه على أن يكون للمعرفة أثرٌ يتجاوز القاعات إلى الحياة، كلها شواهد على وعيه العميق بدور المثقف في مجتمعه. أما في الأدب، فإن نصوصه تبدو كأنها امتداد لهذا الحس الإنساني؛ لغة تميل إلى الصدق، ونبرة تقترب من الحياة، وتجربة لا تنفصل عما يعيشه من تقدير للإنسان واهتمام بتفاصيله. لطالما سألت نفسي من أين يأتي حسن حجاب بكل هذه الطاقة وهذا الوهج ليكون حاضرا في قلب كل حدث وبالقرب من كل صديق وما الروح التي يمتلكها حين يتلمس حاجات كل من حوله ويربت على أكتافهم ويشاركهم في السراء والضراء؛ إنها مدرسة العطاء الذي لا ينضب والصدق الذي لا يعرف الزيف والقرب الذي يجافي البعد هو مدرسة الحب غير المشروط... سوف أزعم كما يزعم كل أصدقاء حسن حجاب أنهم الأقرب إليه والآثر عنده وهذا لعمري هو شأن الكبار حين يجدهم الآخرون في كل تفاصيل حياتهم ويشعرون أنهم أقرب الناس إليهم واليوم هو في موقع آخر؛ تحت قبة الشورى يشارك رأيه الراجح ويفيد من خبراته المتراكمة ويتنفس حب وطنه من خلال ما يناقشه ويطرحه ويتبناه خدمة لدينه ولوطنه وقيادته. إن الحديث عن الدكتور حسن الحازمي يطول، غير أن خلاصته تبقى في هذه الصورة البسيطة العميقة: رجلٌ لم تغيّره المواقع، ولم تُثقله المناصب، بل ظل كما هو، قريبًا من الناس، حاضرًا لأجلهم، مؤمنًا بأن القيمة الحقيقية لأي تجربة، إنما تُقاس بما تتركه من أثرٍ طيب في الآخرين.