حسن حجاب الذي لم يتغيّر على بئر العقيلية وهو في مجلس الشورى.

قلة نادرة جدا من الأدباء الذين كان آباؤهم أدباء كبارا واستطاعوا أن يكونوا أسماءهم المهمة المستقلة عن شخصيات آبائهم الأدبية. وقلة نادرة أيضا من استطاعوا أن يجمعوا بين استمرار عطائهم الإبداعي والنقدي ومواصلة مشوارهم العلمي الأكاديمي وصولا لأعلى الدرجات العلمية، دون أن يميل أو يطغى جانب على الآخر. وأندر الفئات من جمع بين كل تلك الموازنات والسمات مضيفا إليها أعباء العمل الإداري، واتسم فيه بسمات القيادي الذي يستخرج أفضل ما لدى فرق العمل التي تعمل تحت إدارته بكل محبة وتقدير . لذلك يأتي حسن بن حجاب الحازمي على رأس هذه القمم النادرة التي استطاعت أن تجمع بين كل ذلك وأكثر. لقد عرفت الصديق والزميل القاص والناقد الأستاذ الدكتور حسن بن حجاب الحازمي، قبل أن يكتسب أي لقب، منذ أن كنا رفاقا في الحي نركض خلف الكرة، ونجلب الماء لأهلنا من بئري العقيلية والحازمية، ونختلف إلى حلقة تحفيظ القرآن الكريم بجامع ضمد الكبير لدى شيخنا محمد العزي الحازمي رحمه الله. منذ تلك الحقبة المجدولة بذكريات الصبا والطفولة، وصولا إلى الزمالة في عضوية مجلس إدارة جامعة جازان. وإلى ليلة أمس حيث كان أحدث لقاء بيننا نتبادل الحديث وآخر ألقابه “عضو مجلس الشورى”. وبين المعرفتين وما تخللها من مئات اللقاءات والجلسات والزيارات ما يقارب الخمسين عاما!! عرفته في كل مراحل حياته، وخلال هذه السنوات الطويلة لم تتغير طباعه مطلقا!! بداية من تواضعه وأدبه الجمّ، وإقباله عليك بكله، وكأنك صديقه الأعز الأوحد، تلمس ذلك في صدق مشاعره وحرارة لقائه، وبياض قلبه. في محبته الخير والأفضل لأصدقائه، لمدينته ومنطقته وجامعته ووطنه. في الإبداع والثقافة منذ بدأت لقاءاتنا الدورية بجماعة إبداع ضمد بالتسعينات في منزل الصديق الشاعر ناصر القاضي تعلمنا منه الشغف بالاطلاع على كل إصدار جديد مجلة كان أم كتابا. ومحبة إطلاع القريبين منه على ما ظفر به من جديد، بكل روح إيثار، بالرغم من شح وصعوبة الحصول على الكتب والمجلات العربية الثقافية في تلك المراحل!! تعلمنا منه في فن الكتابة العناية بكل التفاصيل؛ بداية من شعرية التقاط الحالة وشعرنة معالجتها وتحويلها من مشهد مألوف معتاد إلى حالة كتابة إبداعية يطبعها ببصمته الخاصة، وجل نصوصه القصصية تحمل ذلك الطابع، تدرجا إلى مراحل تبييض النص ورحابة الاستشارة والاستنارة بالرأي قبل نشره. في الجانب الأكاديمي كان ولا زال متميزا، ولم يكن مشواره سهلا أبدا، بل شاقا ومجهدا!! بداية من اختياره لموضوعاته، حيث لم يكن يحرص على تغليب سهولة ومحدودية المدونة التي يدرسها بغية اجتياز مرحلة دراسة، أو إنجاز بحث ترقية بأقل جهد!! وإنما كان يحرص على ارتياد الموضوعات المجهدة الشاقة ذات الطابع الموسوعي الذي يثري الدرس النقدي السعودي، مع ما في ذلك التوجه من صعوبات وعقبات كثيرة تطيل من فترة الدراسة، وتجلب المشقات الكبرى أثناء الاشتغال عليها، وتجعله عرضة لتتبع بعض المآخذ عليها مستقبلاً؛ لكونه يرتاد مناطق بكرا ستؤسس للعديد من الدراسات التفصيلية المنبثقة من دراساته الأم. كما فعل في دراسته لشخصية البطل أو البناء في الرواية السعودية، فمجرد اكتشاف رواية واحدة سها عن ذكرها يعرض عمله للانتقاد. وإلى جانب الصعوبات السابقة، فمن يعرف طبيعة اشتغال الدكتور حسن في دراساته؛ وما يتبعه من نظام صارم يتبعه في اشتغالاته، حيث الحرص الكبير على الاستقصاء والأناة والدقة في التوثيق وتتبع ما يدرسه من كافة الجوانب؛ يدرك حجم ما بذله من جهود مضنية في دراساته فيما يتعلق بمشوراه ناقدا وأكاديميا؛ حتى في إشرافه على طلبته بمرحلتي الماجستير والدكتوراه عايشت عمله عن قرب فكان حريصا على أن يعكس تلك الطبيعة البحثية لديه على طلبته؛ فتجده يعيد قراءة الملزمة المقدمة من الطالب أو الطالبة مرتين وثلاثا، ولا يتأفف من تكرار المراجعات والتصويب؛ بل إنه بفتح مكتبته الخاصة في منزله للطلاب والطالبات الذين يشرف عليهم، ليستفيدوا منها. ومكتبة الدكتور حسن مكتبة متميزة وثرية للغاية وبناها على مدى سنوات طويلة والحديث عنها يحتاج حديثا مستقلا. في العمل الإداري يعد الدكتور حسن مدرسة متفردة في الجمع بين الدقة في تنفيذ المهام واستخراج أفضل مستويات الإنتاجية لدى فرق العمل التي تكون تحت إدارته؛ يتأتى له ذلك بحسن تعامله ودماثة خلقه وصبره وحكمته في اتخاذ القرارات المناسبة لكل موقف ومناسبة، وبتقديم نفسه قدوة في مشاركة الموظفين مهامهم بكل تواضع، لأنه يدير المجموعة بالمحبة والتقدير؛ لا بسلطة وقوة الصلاحيات الإدارية الممنوحة له؛ فيخلق بكل يسر وسهولة بيئة العمل بروح الفريق الواحد. أقول هذا من صميم المعايشة له عن كثب فقد عملت معه سنوات وكيلا وهو العميد، وعملت معه عميدا وهو وكيل الجامعة. تعلمت منه أساليب اكتشاف وتشجيع وصقل مواهب الطلبة وأنهم الاستثمار الحقيقي في العمل الجامعي. إن الحديث ليطول ويتفرع ويحتاج لمساحات كبيرة عن جوانب وسمات شخصية الأستاذ الدكتور حسن بن حجاب الحازمي المتنوعة في عطاءاتها مبدعا وناقدا وأكاديميا وإداريا وقبل كل ذلك وبعده إنسانا نبيلا وشهما كريما مضيافا طيب القلب نقي السريرة، ولا أذكر أنه خاض ولو مرة واحدة في الاختلافات والخصومات الثقافية، أو التقليل من منجزات الآخرين؛ لصفاء قلبه، أولا ولثقته ثانياً في أن نجاحات غيره لا تغمط من نجاحاته ومنجزاته. ولعلي أختم بهذا الجانب الطريف الذي له علاقة بمبدأ توخي الدقة وحسن التنظيم لدى الدكتور حسن سواء في مكتبه، أو مكتبته، إذ لا يمكن أن ينجز أعماله وهو يرى كتابا أو أداة مكتبية أو أوراقا حُركت بشكل عشوائي وتُركت في غير مكانها!! حتى في المخاطبات الرسمية الروتينية لا يسمح بتمرير خطاب فيه خطأ إملائي بسيط، ولو من باب السهو عن همزة قطع، أو إثبات همزة وصل، أو سهو عن نقطتي تاء مربوطة؛ مهما كانت ضغوط العمل ومتطلبات سرعة إنجاز المعاملات؛ ولطالما كان يعيد لي الخطابات أو يؤخر اعتمادها وتوقيعها لمثل هذه الأسباب البسيطة حينما كنت وكيله وهو العميد؛ فلما ترقى لوكالة الجامعة وحللت مكانه في مكتبه عميدا كنا مرتبطين به إداريا؛ فكنت أتعمد عدم التدقيق في الخطابات وإرسالها له بمثل هذه الأخطاء التي لا يراها بسيطة!! ولما التقينا بعد أول اجتماع عمل، همس لي وهو مبتسم قائلا: أنت تتعمد معاقبتي بخطاباتك!! فهمست له: آهٍ لو ترى مكتبك؛ إنه يعيش مرحلة الارتياح التام من كل تعقيداتك وترتيباتك الصارمة!!! فيكمل: “الفوضى الخلاقة”!!