مثقف لا تفسده المناصب.
ليست الكتابة عن الدكتور حسن حجاب الحازمي كتابةً عن اسمٍ عبر المشهد الثقافي ثم استقر في أرشيفه، بل عن حضورٍ ظل يراكم أثره في الناس والنصوص والمؤسسات معًا. وعلى امتداد نحو أربعة عقود، لم تكن صلتي به عابرة، بل صلة اختبار ومجاورة وملاحظة طويلة، بدأت منذ لقاء مبكر في منزل والده، قبل نحو أربعة عقود، حين كنا نتحدث عن القاص سباعي عثمان، وفاتني يومها اسم مجموعته القصصية، فبادر حسن سريعًا: «دوائر في دفتر الزمن». في تلك اللحظة، بدا لي أن الرجل لا يحمل ثقافة تزيينية، بل ذاكرة حيّة، ويقظة قارئ لا تغيب عنه التفاصيل. ثم جاءت سنة 1987 لتمنح هذه الصلة ملامح أوضح؛ ففي أمسية شعرية مبكرة بنادي جازان الأدبي، شاركتُ فيها مع حسن حجاب، برفقة الشاعر الراحل حسين سهيل، وكان الأستاذ حجاب الحازمي مقدّمًا للأمسية. ثم انطلقنا في العام نفسه إلى مهرجانين، أحدهما خليجي والآخر عربي. ومنذ تلك البدايات، كان واضحًا أننا أمام شخصية لا تقف عند حدود المشاركة، بل تملك قدرة خاصة على أن تكون جزءًا من المشهد، وصانعةً لبعض ملامحه في الوقت نفسه. ما يميز حسن حجاب الحازمي أنه لم يكتفِ بصفة واحدة؛ فهو شاعر، وقاص، وناقد، أي إنه تحرك داخل الحقل الأدبي لا من نافذة واحدة، بل من أبواب متعددة، وذلك ما منح تجربته كثافة نادرة. وحين انتقل إلى مواقع المسؤولية، سواء في جامعة جازان حيث عمل وكيلًا لها، أو في رئاسة نادي جازان الأدبي، ثم حين اختير عضوًا في مجلس الشورى لدورتين متتاليتين بثقة ملكية، لم تبتلع المناصب جوهر المثقف فيه، ولم تحوّل الوجاهة العامة إلى مسافة تفصله عن الناس. وهنا تتجلى قيمته الأعمق: فالرجل، على الرغم من هذا المسار الحافل، لم يزدد إلا تواضعًا، ولم تفسد السلطة الإدارية فيه رهافة الإنسان. وهذه ليست عبارة مجاملة، بل شهادة يعرفها من عاش في مدينته وخبر سلوكه اليومي. فتواضعه ليس أداءً اجتماعيًا، ولا لباقةً مصنوعة، بل طبيعة راسخة، وخلقٌ يتجلى في تعامله الراقي مع الجميع، على اختلاف مواقعهم وشرائحهم وانتماءاتهم. أما في منجزه النقدي، فقد قدّم حسن حجاب الحازمي أعمالًا لافتة تجاوزت حدود المناسبة العابرة إلى قيمة مرجعية أفاد منها باحثون ودارسون في المشهد الثقافي السعودي. ويكفي أن نشير إلى كتب مثل: «رائد القصة في الجنوب: قلق التجربة وهاجس التأثير، قراءة في تجربة محمد زارع عقيل في القصة القصيرة»، و«البطل في الرواية السعودية»، و«البناء الفني في الرواية السعودية، دراسة نقدية تطبيقية»، لندرك أننا أمام مشروع لم يكتفِ بالانطباع، بل اشتغل على القراءة بوصفها مساءلةً وتحليلًا وبناءً للمعنى. حسن حجاب الحازمي، في حقيقته، ليس مجرد مثقف موسوعي، بل مثال نادر على انسجام المعرفة مع الأخلاق، والمنصب مع التواضع، والحضور العام مع صفاء الداخل. لذلك فإن الاحتفاء به ليس احتفاءً بشخصه وحده، بل بقيمة ثقافية وإنسانية تزداد ندرة كلما اتسع الضجيج وضاق الجوهر.