في ديوان «عشتار تنحت ظلي» للشاعر بليغ البحراني..

ذاكرةُ المكانِ وهشاشةُ الإنسَان.

المكانُ والإنسان متلازمان، حيث المكان يصنعُ الإنسان ويغدقُ عليه من تاريخه وتراثه ومعارفه، بينما الإنسانُ يعمل على تنمية المكانِ وتطويره والمحافظةِ على تراثه وثقافته، علاقة ممتدة بامتدادِ التاريخ الإنساني، فإذا اقترنَ المكان بالأساطيرِ والمرويات الخيالية وارتبط بالآلهةِ والمعبودات القديمة، بات حضورُه يتجاوز الإنسانَ إلى ما هو أبعد؛ لأن الأساطيرَ كائنات تنتقل ويستمتع بها البشرُ وإن لم ينتموا إليها، لكنَّ ابن الأرض، والمنتمي لترابها، والمولودِ بين أحضانها سيلتصقُ بالأسطورة، ويكون أكثرَ ولاء وانتماء لها، وهو ما يمكنُ رؤيته في ديوان (عشتار تنحت ظلي). الديوانُ يقوم على ثنائيةِ “الشاعر / عشتار”، متضمناً المكان وما يتصل به كالبحرِ والشاطئ والسماءِ والنساء، إذ عبر هذه الثنائيةِ يمكن إدراك تحولاتِ الشاعر، وابتعاده عن فلسفةِ الأسطورة ورمزيتها، مع اتجاهه إلى توظيفها شعريًّا في تعميقِ علاقته بالمكان وما يتصلُ به، وخصوصاً الأنثى، التي يجعلها محور الكون وسبب الوجود وأصل البقاءِ والاستمرار (قصيدة: أسرار): “لكِ في خيالي معبدٌ ومزار أنى اتجهت أراكِ يا (عشتار)” الالتصاقُ بعشتار لا يتوقف، فبمناسبةٍ وبدون مناسبة يذكرها ويتغنَّى بها، حيث هي مركز الوجودِ وما ينبغي أن تتَّجه إليه القلوب والعقُول، ولا يكتفي بذلك، بل يطالبها بأن تغنِّي كي يبلغ لحظة اللذَّة ويمتزج بالمكان وما يتصلُ به (كؤوس العشق): “غنِّي إليَّ حبيبتي (عشتارُ) لحنَ الغرام لتطربَ الأزهار” غناءُ عشتار ليس فعلاً عبثيًّا، بل بوحٌ بمشاعر العاشق المتيَّم المأخوذ بجمالها وغير القادرِ على الابتعاد عنها، الذي يستغرق في بثِّ لواعجه وأشواقه؛ لتتحول تلك اللواعجُ إلى مشاعر، والمشاعرُ إلى كلمات، والكلماتُ إلى أغنيات، حيث مشاعر الذاتِ وأشواقها تصبح أغنيات عشتارَ الخالدة (نقش): “قد تسمعينَ لواعجي وتترجمين غِنائي” غناءُ عشتار وغناءُ الشاعر يمتزجانِ ببعضهما حتى يصبحَ التفريق بينهما مستحيلاً، حيث المشاعرُ والكلماتُ بينهما علاقة وثيقة، فكما أنَّ الكلمات ممرٌّ تمرُّ منه المشاعر إلى الخارج، كذلك المشاعرُ لا يمكن أن تنكشِف إلا عبرَ الكلمات، وهذا ما يقود إلى التمازُج التام بين الأسطورةِ والذات (تكوين): “هي ذاته .. وذواته لا تعرِف التلوين ..” ما بينَ “ذاته .. وذواته” ثمَّة اشتغال وسعي لبعثِ الأسطورة وإعادة تركيبها؛ لتناسبَ التوظيف الجديد الذي جاء به الشاعر، فعشتارُ – كما هو معروف - ليست صوتاً غنائيًّا، إنما رمز للجمال والدهشةِ والإغواء؛ لذا ستحضر في القصائدِ بوصفها “أنثى” تجيدُ الغناء والترنم، ما يدفعُ الذات لملاحقتها والاستغراقِ فيها حدَّ التمازُج وترك أيِّ شيءٍ آخر (جرح وملح): “يمرُّ بي عاصفُ الأشواقِ والولهُ أنقاد موجاً سليب الرأي هَيت لهُ لا فكرَ عندي ولا عقلٌ ألوذُ به مُعذَّب القلبِ والهجرانُ أذهلهُ” عشتارُ الرمز ليست أنثى محدَّدة تتجه ناحيتها مشاعرُ الذات ولواعجها، بل تمثِّل كل الـ”إناث” المنتمياتِ إلى المكان، ما يضع الشاعر أمام تشظٍّ داخلي، فمن ناحيةٍ يلاحق الدهشةَ ويرغب في الحصول عليها، ومن ناحيةٍ أخرى يعجزُ عن إمساك الدهشةِ بكاملها؛ لأنها تتوزع بين عددٍ هائلٍ من النسوة (حديث الشواطئ): “إناثُ الماء .. تشعلها ضِفافي وبوصلة القلوبِ تريد شطري تراقصُ رملتي البيضاء سكرَى فتمطرُها .. السماء ببعضِ خمري” البحثُ عن “أنثى الدهشة”، هاجسٌ يلازم الذات ويشغلها، فعشتارُ لم تعد مجرد امرأة، بل انتقلت لتصبح كلَّ النساء وجميع الـ”إناث”، ما تسبَّب في حصول لبسٍ ضمن العلاقةِ بين “ذاته.. وذواته”؛ لذا سارع إلى تصحيحِ الأفكار الخاطئة حولَ علاقاته الأنثوية (ليل المسيح): “قسماً بنهر العشقِ نبضي صادقٌ فيما أحس .. وما أقول .. لا .. لم أخُنك وإن ترامت نسوةٌ حولي وصار الهجرُ منك مضاجعي” ذواتُ الشاعر أو “إناث الماء” رفضن أفكَاره وتبريراته، غضبنَ منه وهجرنه وتركنه وحيداً، لهذا لجأ إلى البوحِ بحقيقة مشاعره، وأن الدهشةَ التي يبحث عنها ليست دهشةَ أنثى بعينها، إنما دهشة الأنثى “عشتار”، التي هي رمزٌ لكل مظاهرِ الروعة والجمال، حيثُ يسعى إلى التماهي معها والامتزاجِ بها؛ لتصبحَ هي الشاعرة ويغدو هو القصِيدة (نحت جمالها): “(عشتارُ) تكتبني قصيدةَ عشقها والشعرُ يرسمُ ما اشتهت (عشتارُ)” معَ التماهي والتمازج بين الذات وعشتارَ يكون الديوان قد أعاد رسمَ العلاقة بين الأسطورةِ والمكان؛ لتغدو عشتار هي الوطنُ والهوية وكل شيءٍ (عشق الأوطان): “وطني عشتارُ .. وذا ديني عشقُ الأوطان” لم تعد عشتارُ مجرد أسطورةٍ عابرة، فحينما انتقلت إلى الإنسان؛ سكنَت خياله وألهبت مشاعرهُ وأعادت تشكيلَ ذاكرته، حتى غدا لا يرى ولا يسمعُ ولا يشعرُ إلا من خلالها، إذ أصبحت الوطنَ والحبيبة وكلَّ شيء؛ لهذا امتزجَ بها وشاركها أوجاعَه ومشاعره (إذا صمت الوجود): “وأسمعُ صوتها في كل صوتٍ إذا صمَت الوجود عَلا غِناها وأعشقُ حرفها عن كل حرفٍ وما طَرِب الفؤادُ إلى سواها” الوطنُ ليس مساحة جغرافيَّة، بل ذاكرةٌ تسكن الإنسان وتعيد تشكيلَ ذائقته وحياتِه، إذ تعطيه معناه وسببَ وجوده وبقائه، فحينما أعاد بعث أسطورةِ عشتار، محاولاً توظيفها لتكونَ الوطن والهوية؛ امتزج بها وتماهَى معها مشكلاً علاقات جديدةٍ ومختلفة، وخصوصاً مع “الأنثى”، التي انشغلَ بها باحثاً عن الدهشة الكامنةِ داخلها، وهذا ما جعله ينتقلُ من أنثى إلى أُخرى.