«دعد» الشاعر احمدالسيدعطيف..

القصيدة التي أعلنت اختلافها بين أخواتها.

ليس من العدل أن تُقرأ قصيدة “دعد” قراءةً معزولة، وهي التي جاءت في سياق تجربةٍ شعريةٍ سبق أن لامستُ بعض أبعادها في ديواني “زجاج” و**“مسرى”** للشاعر أحمد السيد عطيف. فقد وقفتُ — فيما مضى — عند نصوصٍ كان لها حضورها اللافت، مثل “شهد الخلي (مساك بالخير)” و“زخّات المواعيد”، وتأملت شيئًا من حنينه إلى جيزان، وتلك الغربة التي تتسلّل من بين حروفه كنسيمٍ مالح. غير أنّ تلك القراءات — على ما فيها من متعة — لم تُشبع عاطفتي، ولم تُروِ ظمأي. حتى جاءت “دعد”. هنا فقط، شعرتُ أنني أمام نصٍّ لا يطلب القراءة بقدر ما يفرضها، ولا يمرّ بك بل يُقيم فيك، وكأنه يقول لبقية القصائد — دون أن يصرّح: أنا هنا بينكنّ… ومعكنّ… لكنني لستُ كإحداكنّ. منذ المطلع: روح الملاك وحلم إنسانة لا تعود “دعد” مجرّد صورة شعرية، بل تتحوّل إلى كيانٍ يتجاوز التصنيف. ليست أنثى بالمعنى المألوف، ولا رمزًا مستهلكًا، بل حالة مركّبة من الطهر والرغبة، من الصفاء والاشتعال. وهذا التداخل ليس تزيينًا بل تأسيسٌ لرؤيةٍ كاملة، تجعل القصيدة كلّها تدور في فلك هذا التناقض الخلّاق. وحين يقول: سهرانة كالنار سهرانة فإنه لا يصف حالًا عابرًا، بل يرسّخ قدرًا. السهر هنا ليس زمنًا، بل احتراقًا دائمًا، كأن “دعد” خُلقت لتكون في تماسٍّ دائم مع القلق الجميل الذي لا يهدأ. لكن ما يجعل هذه القصيدة تتفرّد — فعلًا — ليس جمال صورها فحسب، بل تلك القدرة على تفجير المفارقة داخل الجملة الواحدة: فتبيت نصف الليل ناسكة وتبيت نصف الليل سكرانة هنا لا يعود النصّ وصفًا، بل يصبح كشفًا. كشفًا عن إنسانٍ لا يكتمل إلا بتناقضه، ولا يصدق إلا حين يجمع بين أقصى النقاء وأقصى الانفلات. وهذه الجرأة في الجمع بين النقيضين هي ما يمنح “دعد” فرادتها بين أخواتها في التجربة الشعرية ذاتها. وفي موضعٍ آخر، تبلغ القصيدة ذروة وعيها بنفسها: تتنسّك الكلمات في يدها هذه ليست صورة جمالية فحسب، بل إعلانٌ صريح: أن “دعد” لم تعد موضوعًا للقصيدة، بل صارت مصدرها. أن اللغة نفسها تدخل محرابها، لا لتصفها، بل لتتطهّر بها. وهنا يتجلّى الفرق بين هذه القصيدة وغيرها؛ فبينما كانت نصوص أخرى تكتب “عن” الجمال، فإن “دعد” تجعل الجمال هو الذي يكتب. ثم تأتي الضربة الأعمق: الحب يجري في أصابعها وبلادها للحب ظمآنه هذه المفارقة لا تُقرأ عاطفيًا فقط، بل وجوديًا؛ إذ تتحوّل “دعد” إلى رمزٍ للفرد الذي يفيض بما يفتقده محيطه. كأنها نبعٌ في أرضٍ عطشى، أو ومضة نورٍ في فضاءٍ يعتاد العتمة. وحين يصل النص إلى سؤاله الحارق: “أيّان هذا الحب؟ أيانه” فإنه لا يسأل بقدر ما يعلن حيرته الوجودية. ليأتي الجواب — أو اللاجواب: الحب لا يعطيك موعده يا دعد، لا يعطيك عنوانه وهنا تحديدًا، شعرتُ أن القصيدة تخاطبني أنا، لا “دعد” وحدها. كأنها تقول: كل قراءاتك السابقة لم تبلغ هذا المعنى بعد. ولعلّ من أسرار حضور هذه القصيدة أنها لم تبقَ حبيسة الورق، بل وجدت طريقها إلى الصوت واللحن، حين صاغها وغنّاها الفنان صالح خيري، فازدادت انتشارًا، لكنها — على نحوٍ مدهش — احتفظت بعمقها، ولم تفقد خصوصيتها. وهذا نادر؛ إذ كثيرًا ما تُسطّح الأغنية ما تعمّقه القصيدة، أما هنا فقد كان اللحن امتدادًا لنبض النص، لا اختزالًا له. إن “دعد” ليست أجمل من “شهد الخلي” ولا أبهى من “زخّات المواعيد” بمعيار المفاضلة السطحية، لكنها أعمق اختلافًا. هي القصيدة التي لا تنافس أخواتها… بل تُجاورهنّ من موقعٍ آخر. ولهذا تحديدًا، جاءت هذه القراءة متأخرة. ليس لأن النصّ تأخر… بل لأن نضج التلقّي هو الذي احتاج هذا الزمن. وهكذا، حين أعود الآن إلى تجربة أحمد السيد عطيف، لا أجدني أرتّب قصائده بحسب جمالها، بل بحسب أثرها. وفي هذا الميزان تحديدًا… تقف “دعد” لا في المقدمة، بل في المكان الذي لا يُقاس بما قبله ولا بما بعده. قصيدةٌ لم تطلب من الحب عنوانه فحسب… بل جعلتنا ندرك — معها — أن الحب، في أعمق حالاته، لا يُعنون.