تشكُّل الغياب في الأفق الشعري عند علي الحازمي..

حينما يُغنّي الغصن للوجود.

نقترح في مقاربة ديوان (غصنٌ وحيد للغناء) للشاعر علي الحازمي فرضية “الغياب المُجَسْدَن” استنادًا إلى المنظور السيميائي لأمبرتو إيكو، الذي ينطلق مما نعته باستراتيجيات التجسيد (Embodiment Strategies) في قراءة الخطاب؛ حيث يتحوّل المجرّد إلى جسد دلالي محسوس: فالصدى جسدٌ صوتي، والغيم جسدٌ بصري، والفراغ جسدٌ مكاني. وبهذا المعنى، ينكشف الغياب في الديوان بوصفه تشكيلاتٍ للمعنى، يشارك القارئ في بنائها. هكذا يقدّم ديوان (غصن وحيد للغناء) صورةً كونية مكثّفة للفردانية؛ فردانية تغنّي داخل وحدة الغياب، الذي سرعان ما ينكسر بالفعل الصوتي الغنائي.أي”الحضور”، وكأن وجود الغصن لا يتحقّق إلا بما يصدر عنه من نغم.بمعنى أن الحضور ذاته لا يتشكّل إلا بوصفه استجابة لفراغٍ سابق. إن تتبّع خرائط العنونة في ديوان الشاعر من قبيل: “الإقامة في الصدى”،”جدار الريح”،”يحرسني غيابك”، “مكبّلًا بالتيه”، “هتاف الغيب”،”حادي الضياع” يكشف أن الذات تسكن فضاءات لا تستقر على حضورٍ مادي، بل تتشكّل عبر وحدات معجمية نحو:”صدى، ريح، تيه، غيم، ضياع”. بل إن ما ينبثق عن هذا الفراغ من أصداء الإقامة والتحدّي هو ما يحوّل الحضور إلى غياب، والغيم إلى مطر، والحاضر إلى مستقبل. وتشيّد وحدات دلالية مثل: “أقيم في غياب الحر”،”أبادر بالإقامة خارجي”،”كيفما أرى ظلي هناك واضحًا عند المغيب”بنية دلالية قائمة على ثنائية الصراع بين الغياب والحضور، بين الفراغ والتحدّي. ويعزّز هذه الثنائية تراكم أطرٍ ذهنية لفضاءات الداخل والخارج، حيث تتكرر ثنائيات: الإقامة/الخروج،الداخل/الخارج،في عبارات من قبيل:”أبادر بالإقامة خارجي”،”أقيم في غياب الحر”،”أراقبك عند الباب يا سعادة”: بالبابِ أرقبُ ضوءَ عينيكِ افتحِي لي ياسعَادة قادمٌ منْ أمسِ حلمِي نحو كفيكِ الفسيحةِ بالمدى، ..... بالبابِ أرقبك افتحِي لي ياسعادةْ مرّ ضوء العمرِ أسرعَ من نوايانا ومن توقٍ نُهدهده بليلِ المتعبين .... نحتاجُ حين يزورنا الماضي ونوصِدُ باب ليلتنا الحزينةِ دونَهُ سببًا أخفَّ من العتابِ سببًا أقلّ من الإرادة... ينكشف الأفق الشعري في هذه المقاطع بوصفه فضاءً تتقاطع فيه تمثّلات الحضور والغياب، لا بوصفهما ثنائيتين متقابلتين فحسب، بل باعتبارهما بنيتين متداخلتين، يُفضي كلّ منهما إلى الآخر، ويؤسّس له في الآن ذاته، فالحضور في هذه الكتابة لا يتحقّق بوصفه امتلاءً دلاليًا مكتملًا، وإنما يظهر دائمًا باعتباره أثرًا لغيابٍ سابق، أو استجابة له، فعند تأمّل قول الشاعر: “بالبابِ أرقبُ ضوءَ عينيكِ / افتحي لي يا سعادة”، يتبدّى الحضور في هيئة مشهد بصري مكثّف (الباب/الضوء/الرؤية)، غير أنّ هذا التشكّل الحسيّ لا يلبث أن ينكشف عن بنية غيابٍ مضمرة؛ إذ يحيل”الباب”إلى الانغلاق لا الانفتاح، ويشي فعل “الترقّب”بتعليق اللقاء لا تحقّقه، لتغدو الإشارة إلى “السعادة”حضورًا لفظيًا يقابله غياب وجودي. ومن ثمّ، فإن الحضور هنا لا يُثبت الامتلاء، بل يشي بنقصٍ مؤجَّل، ويؤكّد أنّ ما يُرى ليس إلا أثرًا لما لم يتحقّق بعد. ويمتدّ هذا التوتّر إلى البنية الزمنية في قوله: “قادمٌ / من أمس حلمي نحو كفيكِ”؛ حيث يتأسّس الحضور في فعل الحركة (قادم)، غير أنّ هذا الحضور ينهض من زمنٍ غائب (أمس الحلم)، ويتّجه نحو موضوع لم يُدرك بعد، فيغدو المسار كلّه مشدودًا بين غيابين: ماضٍ لم يتحقّق، ومستقبل لم يتشكّل. وعلى هذا النحو، لا يكون الحضور إلا حركة داخل فضاء الغياب، لا خروجًا منه. ويتجسّد هذا الحضور في صورة الزمن المتدفّق في قوله: “مرّ ضوء العمر أسرع من نوايانا”.غير أنّ هذا التدفق ذاته يكشف عن غياب الفعل وتحقيق المقاصد؛ فـ”النوايا”، وإن حضرت لفظًا، تظلّ مؤجّلة التحقّق، بما يجعل مرور الزمن شاهدًا على غياب الإنجاز، وهكذا يتحوّل الحضور الزمني إلى علامة على فقدٍ دلالي أعمق. كما يتجلّى الغياب في صورته الأكثر كثافة حين يُستعاد الماضي في قوله:”حين يزورنا الماضي”؛ إذ يُستدعى الغائب بوصفه حاضِرًا داخل التجربة الشعورية. فالماضي وإن كان منقطعًا أنطولوجيًا، يعود بوصفه حضورًا نفسيًا كثيفًا، ليؤكّد أنّ الغياب لا يُمحى، بل يعيد إنتاج نفسه داخل الوعي عبر أشكال متجدّدة من الحضور. وبهذا المعنى، يغدو فضاء القصيدة ذاته-من حيث نسيج الكتابة-بنية تؤثث الحضور وتقاوم الغياب، كما في قوله: هي في التباسِ الوَقتِ ترتاحُ الأماني في ظلالِ خيالهَا، لا جُرحَ أسئلةٍ منَ الماضِي يُبدِّدُ بهجةً في رمشِهَا، لعلّها نسيتْ أمامَ غمامةِ الذكرى التماعِي في مَجَاهِلِ أمسِهَا، ولعلّها انصرفَتْ بملءِ إرادةٍ منها لِشأنِ مجَازِهَا، فالعمرُ يُهْدِرُ غيمَهُ في القُرْبِ يُهْرِقُ نبضَهُ نايًا بليلِ الحَالمين.. غير أن البنية الإيقاعية لا تنفصل عن فرضية جسدنة الغياب، بالمعنى الذي يطرحه إيكو؛ إذ يعمل النغم على خلخلة الغياب في البنية العميقة. ويتجلّى ذلك بوضوح حين يعتمد الشاعر آلية التوازي المتماثل، كما في تكرار المطلع: “لم ألتفت يومًا إلى الماضي”، أو قوله: “مشيت إلى غدي”. يظهر السطر الأول ثم يغيب ليعود في السطر الثاني، فيتبادل الحضور والغياب مواقعهما داخل إيقاع دائري مفتوح، يوهم بالحركة نحو المستقبل، لكنه يعيد القارئ إلى نقطة البدء، في محاولة مستمرة لبناء حضور جديد، وهذا ما يسميه إيكو استراتيجية التكرار، حيث يخلق النص توقعاتٍ ثم يؤجّل تحققها؛ فكل عودة للجملة المكررة تعمّق الإحساس بأن ما يُقال لم يتحقق بعد، وأن حضور العبارة لفظيًا يكشف غياب تحققها في العالم الخارجي. كما تسهم التشاكلات الصواتية للصوامت”كالميم والفاء والحاء”في وحدات مثل: “الغيم، المطر، نغم الحياة، الخفيف، حنايا الروح..”في بناء انسجام بين الصوت والدلالة، عبر تمثيل الحضور والغياب صوتيًا. ويبرز-على سبيل المثال- الصوت المهموس (كالسين) بوصفه حضورًا خافتًا، يكاد يتماهى مع الغياب. وعلى مستوى البنية التركيبية، يزاوج الديوان بين الجمل البسيطة والمركّبة؛ فالأولى مثل: “لم ألتفت يومًا إلى الماضي”، “مشيت إلى غدي”، والثانية نحو: “وما سألت عن الذين تقاسموا حلمي الشريد، عن الذين تهافتوا”.. ويشيّد هذا التوازي التركيبي توازيًا دلاليًا بين الحضور والغياب، مولّدًا تشاكلاتٍ مقابِلة: الماضي/الغد، الداخل/الخارج، الحلم/اليقظة: لمْ ألتفتْ يومًا إلى الماضِي مشيْتُ إلى غدِي مُتدثّرًا بالغَيمِ والمطرِ الخفيفِ، أصْغِي إلى نغمِ الحَياةِ كأنني فجرًا وُلدتُ وما سألتُ عن الذين تقاسَمُوا حُلمِي الشّريدَ، عن الذين تهافتُوا فِي نبضِ أغنيتِي الجريحَة مَنْ مشوا في إثْرِ قافيةِ النشيد، وأيقظوا نايًا نحيلاً في حنايا الرّوح... إن جسدنة الغياب، التي حاولنا تتبّعها في شعرية الحازمي انطلاقًا من “غناء الغصن الوحيد”، يمكن تكثيفها كذلك بوصفها بؤرةً دلالية في قصيدة:”يحرسني غيابك”؛حيث يبلغ هذا التوتر بين الحضور والغياب ذروته الشعرية. إذ يقول: عُدْ من مجازِكَ، من تُخُوم أناكَ، من قلقِ البدايةِ يستديرُ الوقتُ مثلَ سوارةٍ حولَ الصّدى وإليكَ تلتفتُ السنينُ العادياتُ إلى غياهبها القصيّة سرْ في التماعِ الأمسِ محفوفًا بسربِ طفولةٍ بيضاء يحرسُكَ الغِيابُ لترتقِي في إثر حُلمِكَ سُلّمًا للغيبِ مَقدودًا من التوقِ المسَافِرِ في المُـــحَال... إن المجاز بوصفه بنية تصورية يتم بواسطته استرجاع الذات لعوالمها الممكنة؛ حيث الصراع بين الحقيقة والمجاز، فعندما يقول الشاعر”عُدْ من مجازكَ/من تُخُوم أناكَ/من قلقِ البداية” يخرج من مجاز ليدخل مجازًا آخر؛ لأن بناء العوالم الممكنة لا يتم إلا بواسطة المجاز. وبذلك، فـ”الأنا الشاعرة” تؤسس لحظتها الوجودية ضمن عوالم القلق المتشظية عن الصراع بين الحقيقة والمجاز. إذن، تتأسس”جسدنة الغياب” بالمعنى الذي يقدمه أمبرتو إيكو انطلاقًا من الدمج في القصيدة بين المجرد والحسي؛ فـ”الوقت جسد وحليّ”وهو “مثل سوارة يترك صداه” أو مايمكن اعتباره هروبًا إلى عالم باطني ممكن يجعل من الأثر الجمالي لذة للغياب .أي المجرد الذي سرعان مايمنحه الشاعر طريقًا للتمظهر والجسدنة باستعارة محمولات”الجسد،الصدى، السوارة وغيرها”. بيد أن حاضر الماضي في البنية الدلالية للقصيدة يساهم أيضًا في جسدنة الغياب الماثل في الطفولة التي يستحضرها عبر ما ينعته أوغستين بحاضر الماضي؛ حيث الطفولة تحضر كطيور متحركة كما أن اللون الأبيض محمول على الطفولة ذاتها. إذ تتوسع جسدنة الغياب عبر تلك الثيمات (البياض، سرب..) وهو مايسقط تصوريًّا الحضور على الغياب، والحسي على المجرد، وهذا ماينسجم وديوان الشاعر؛ حيث انطلقنا من فرضية”الغياب المجسدن” الذي شكّل رؤيا شعرية للعالم: : فالغياب ليس نقصًا يُراد تجاوزه، ولا قطيعة مع الذات،بل هو فرصة وجودية لتجاوز أنا الشاعر لكل التحديات اليومية المبتذلة. انطلاقًا مما سبق، تتجاوز شعرية علي الحازمي تمثيل الغياب لتجعله أفقًا يعيد تشكيل الوجود. إذ يغدو(غصن وحيد للغناء)علامة تنقل الذات من الغياب واللاوجود إلى حضور يتشكل فلسفيًّا واستعاريَّا عبر تحويل كل أشكال القلق إلى قوة دافعة للارتقاء، فيغدو المسار الوجودي انزياحًا تخييليَّا يعيد تشكيل الذات نحو الجسدنة من أجل المقاومة والإصرار على الحياة.