في Barbarian لا يبدو الرعب صرخة مفاجئة بقدر ما يتسلل بوصفه فكرة، فكرة تكبر حتى تصبح شكلاً ثم جسدًا ثم بيتًا كاملًا يبتلع ساكنيه. ما ينجزه Zach Cregger هنا يتجاوز إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان حيث يغدو المنزل -الذي يُفترض أن يكون ملاذًا- كائنًا حيًا يخفي أسراره ويتغذى على من يسكنه. ينطلق الفيلم من فرضية بسيطة: حجز مزدوج في منزل للايجار، فتاة بمفردها تصل ليلًا إلى المنزل المستأجر، ثم رجل غريب يفتح عليها الباب. كل شيء يوحي بأننا أمام مشكلة في جدولة استئجار منزل، لكنها بنية مألوفة تتكئ على الريبة، غير أن كريجر القادم من خلفية كوميدية يستخدم هذا التمهيد بوصفه طعمًا؛ إذ يمنح المشاهد شعورًا زائفًا بالألفة قبل أن يسحبه ببطء نحو منطقة وعرة. الذكاء الإخراجي هنا يكمن في ما يؤجل، فالفيلم لا يستعجل وحشيته في تفاصيل المكان: ممر خلف خزانة، وغرفة معزولة تبدو مقرفة، ودرج سفلي يقود إلى ظلام، وجسم غريب يتلصص آخر الليل. والكاميرا في هذه الحالة تتحرك بحذر، وتقترب ثم تتراجع كعين إنسان يشكك فيما يرى. هنا يتحوّل الرعب من حدث مقلق إلى اكتشاف أكثر رعبًا، ينمي كل هذا لقطات طويلة تحبس الأنفاس، داخل القبو، بثباتها وإيقاعها البطيء، تفرض على المشاهد مواجهة التفاصيل دون وسيط ودون مونتاج يشتت انتباهه. على مستوى آخر يلعب الفيلم لعبة مع توقعاتنا، حضور Bill Skarsgård لم يكن بريئًا؛ فصورته المسبقة في ذاكرة الجمهور -المشبعة بأدوار شريرة- تدفعنا إلى الشك فيه منذ اللحظة الأولى، غير أن كريجر يقلب هذه المعادلة ليفضح هشاشة أحكامنا، فالخوف هنا يأتي من فشلنا في قراءته ومن إدراكنا أن حدسنا يمكن أن يخوننا بسهولة. أما الوحش في تجليه الجسدي يقدم بوصفه نتيجة. “المرأة” التي تعيش في القبو منذ سنين ليست سوى خلاصة تاريخ من العنف، جسدها المشوّه ليس إلا أثرًا ماديًا لسنوات من الانتهاك والعزلة. حين تظهر يكون الرعب في دلالتها: هذا ما يحدث حين يترك الشر ينمو في الظلام دون مساءلة. والصوت هنا يلعب دورًا موازٍ للصورة؛ أنين متقطع، وخطوات ثقيلة، وصمت كثيف يجعل الفراغ نفسه مريبًا. لكن ما يمنح الفيلم فرادته الحقيقية هو تلك اللمسة الساخرة التي تتسلل في لحظات غير متوقعة، شخصية Justin Long، في تعاملها العبثي مع المنزل للرغبة في أخذ المقاسات لبيع المنزل، توجد مفارقة سوداء: هذا المزج بين الكوميديا والرعب يخفف التوتر ويعطي فسحة لإلتقاط الأنفاس؛ لأن الضحك هنا انكشاف. يتحدث الفيلم الأمريكي عن إمرأة متوحشة تسكن في قبو البيت، وعن مدينة مثل Detroit حيث الإهمال بيئة حاضنة لتكاثر القبح، والرعب في هذا السياق يصبح قراءة اجتماعية. هكذا ينجح Barbarian 2022 في تحويل أبسط عناصر الرعب -البيت، الظلام، الغريب- إلى شبكة معقدة من الدلالات، وتتركنا الكاميرا دون إجابة حاسمة، كأنها تشير بهدوء إلى أن البربري الحقيقي قد يكون ما صنعناه بأيدينا ثم تظاهرنا بالبراءة.