عندما يرحل المبدعون من عالمنا تنفطر القلوب لفراقهم وتتألم اطراف الساحة التشكيلية منها والبعيد، وتنطفئ منارة مضيئة كانت ترسل إشعاعات ابداعاتها في ربوع الوطن، وهنا يصبح الفراق مؤلماً وثقيلاً، لأنهم كانوا علامات بارزة في مسيرة التشكيل السعودي، ومنهم من اجتهد وكان القدر اسبق من احلامهم وطموحاتهم، فهذه سنة الحياة، فان للموت حق وجلال، ولنا من بعدهم انتظار في محطات قد تطول وقد تقصر، حتى يأتي بلا هيبة أو تردد، يختارنا واحدا اثر آخر “لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون” وعندما تتساقط أوراق الإبداع، يتركوا لنا لوعة الفراق والم البعاد، ونستعيد ذكرياتهم لأنهم كانوا يمثلون جزءا من حياتنا، ولنا في الله عزاء من كل مصيبة وخلفًا من كل جلل، فنحن لا نبكيهم لأنه رحلوا، بل نبكي أنفسنا لأنهم تركونا وحدنا وإن كل الآمنا ودموعنا لأننا لن نراهم بعد اليوم في دنيانا، إننا نبكيهم من أجلنا نحن، لا من أجلهم، لأنه رحلوا، فلن يشعروا ببكائنا، ولن يستعيدوا شيئا مما مضى، ولن يكون بمقدورهم أن يصنعوا شيئا لأنفسهم . والفنانة منى القصبي (رحمة الله عليها) من أهم التجارب الفنية في المحترف السعودي، كونها تعمل على تفسير الحالة التصورية بعين الفنان المكتشف للجماليات والإلهام، وتعتمد في تصوير لوحاتها التشكيلية المنتمية إلى فن واقعية الحياة، ولكن بخصوصية الحياة، على خطى “الرمزية المجردة”، لإن الفن عندها - لا يُمنطق أو يُعلل أو يُزمن - قد يُخلد في ذاكرة الزمن، كانت هذه هي ذاتها الفنية، ليكون موضوعها الأثير - الطبيعة والمرأة - كنافذة تشكيلية نافذاً بصفاء الإحساس وما يرثه من معنىً للجمالي وتحيلا للظواهر تفسيرا عقليا، سواء من حيث المدلول اللوني أو المدلول الشكلي، حافلة بالحدس والإسقاطات التي تقترب من الأشكال المثالية للفن، في إطار العبق التاريخي، فالفكرة هنا سيدة الموقف وكمن يتنازل عن السيطرة الذهنية من أجل سيطرة أخرى، لتضع رؤية الذهن فوق رؤية العين، تتلألأ كالكواكب في فضاء السماء، لا تعبأ بأشعة الشمس أو يوقفها حدود مسربلة، لتتفاعل معها في انسجام وتناغم، برؤى إنسانية ووجدانية، وما تحملها من توهج وعفوية، هي صورة لواقع الحياة، ألحافلة بالجمال، والتألق البصري والبصيرة . والفنانة منى القصبي، اسهمت من خلالها حضورها، كواحدة من أوائل الفنانات في الحراك التشكيلي السعودي، بدعم انشطته وفعالياته الفنية والثقافية، أهمها تأسيس جاليري “كرى” مع الأميرة (نورة بنت بدر) والتي تعتبر من أوائل الصالات الخاصة في جدة، والتي تحولت فيما بعد الى المركز السعودي، وفي مسيرتها الشخصية، اقامت اربع معارض فردية، وشاركت في 84 معرضا وفعاليات محلية ودولية، وحصلت على العديد من الجوائز والتكريم، أهمها جائزة الإبداع العربي الدولي، وقدمت إنتاجها الفني وتركت بصمة مؤثرة وحققت اعلى درجات التوازن الفني، نالت القبول والاستحسان، وستظل ذكراها محفورة في القلوب والوجدان، وعزاءنا في فراقها اعمالها الفنية، وغيرها من اعمال الــ 69 فنانا رحلوا عن دنيانا، المبعثرة في (دكاكين الروبابيكيا) والتي نتمنى ان تكون جزءا من المعارض والفعاليات الداخلية والخارجية، والتي تذكرنا بهم لنتواصل الدعاء لهم، وليضيء ما بدواخلنا من ذكريات، انتظارا لمشاهدتها في متحف للفن التشكيلي، كما هي المتاحف في دول العالم لتكون معلما لزوار المملكة ويصبح جزءا من برامجها السياحة، قبل ان تضيع وتندثر مع عثرات الإهمال وعوامل النسيان، لأنها من التراث الثقافي الفني للوطن يجب الحفاظ عليها، (وألّا يكون النسيان عذرا ومقبرة للوفاء) .