(1) في ليلة دافئة من ليالي شوال 1447هـ، استضافنا معالي الأستاذ الدكتور مدني علاقي، على مائدة عشاء أدبية/ نقدية/ ثقافية، وكان ضيوفها الأساتذة النقَّاد المشاركون في ملتقى النَّص 22 ، الذي أقامته (جمعية أدبي جدة) (حالياً)، النادي الأدبي بجدة (سابقاً). وكانت ليلة أدبية بامتياز، تحدث فيها الشاعر الدكتور عبدالعزيز خوجه (الوزير والسفير السابق)، والدكتور عبدالله صادق دحلان صاحب (جامعة (UBT) الأعمال والتكنولوجيا بجدة)، وأمينها العام، ومضيفنا العزيز الدكتور مدني علاقي. وشارك بالحديث والمداخلات كل من الدكتور حسن الهويمل رئيس نادي القصيم الأدبي السابق، والأستاذ الدكتور محمد بن عبدالرحمن الربَيِّع، الرمز الثقافي ورئيس نادي الرياض سابقاً/ ووكيل جامعة الإمام (سابقاً)، والبروفيسور عبدالله عويقل السلمي، والأستاذ الدكتور حمد الدخيِّل.. وغيرهم. وفي نهاية الضيافة أهدانا – حفظه الله – مجموعة من كتبه الإدارية وسيرته الذاتية، وإصداراته المتنوعة، وكان من نصيبي الحصول على المجموعة القصصية الأولى لابنته الدكتورة (سمر) المختصة في طب الأسنان، ولكن الأدب استهواها واحتواها فأصبحت من محبيه وكتَّابه ومنتجيه فأصدرت هذه المجموعة القصصية بعنوان (جارك العزيز إبليس)!! قال لي والدها الدكتور مدني علاقي: إن حرفة الأدب وشغف الثقافة دخلت داره عن طريق هذه الكاتبة الشابة/ الابنة/ الأديبة والطبيبة!! فقلت له – مؤكداً – كم من العلماء والأدباء وأصحاب التخصصات الإدارية برزوا في الجوانب الأدبية والثقافية، فكانوا مشاعل وأنواراً أثرت المشهد الثقافي بإبداعاتهم الشعرية والقصصية، ولا غرو أن تكون السيدة ابنتكم من هؤلاء العلماء/ الأطباء/ الأدباء/ المثقفين!! * * * (2) المجموعة تحمل عنواناً لافتاً ومثيراُ: (جارك العزيز إبليس)، وهذا من العناوين المغرية للقراءة النقدية والتأويل النصوصي، فيما يعرف بـ/العتبات – كما عند جيرار جينيت - وهو في الأصل قصة تحمل العنوان نفسه، ص ص 33-40 ولروعتها الأسلوبية، وحبكتها القصصية تحولت من عنوان داخلي إلى عنوان خارجي/ إلى عتبة مصِّية تحيل إلى المجموعة كاملة والمكونة من (سبعة عشر) قصة. (إبليس) في القصة رقم (3) وفي العنوان/ العتبة الرئيسة لا يحيل إلى (إبليس) المعروف في ثقافتنا وأدبياتنا التراثية والدينية والمجتمعية، وإنما يشير إلى كائن معرفي/ تقني يشاركنا حياتنا الفكرية والثقافية، ويجري فينا مجرى الدم!! الكمبيوتر أو الفضاء السيبراني أو الرقمنة المعاصرة وحواسيبها، ذوات التطبيقات المتشابكة!! تقول الساردة “ملف محسن الإليكتروني، على شاشة العرض أمامي متضخم بآلاف الصفحات نصف المكتملة، سبابتي اليمنى تتدحرج في سرعة جنونية على الفارة بحثاً عن خيارات سهلة...” ص39. في هذا المقطع، يلمسس القارئ التلميحات الإليكترونية والفضاء التقني الذي شغل أبطال النَّص القصصي!! مما يحيل إلى قناعة نقدية أن المقصود هنا فعلاً هو الشيطان/ إبليس العصري/ التقنية وحمولاتها الإليكترونية، وليس إبليس/ الشيطان الذي تُحَدِّثنَا عنه أدبياتنا الدينية والتراثية. ثم نجد (إبليس) في القصة رقـــم 11 بعنوان: (توبة حامل النور) ص ص115-123 ، الذي يتشكل في صورته الحقيقية كما وصف في تراثياتنا الدينية والأدبية: (طاووس الملائكة، حامل النور، ملك الحكمة والإغواء، إبليس الذي دوَّخ بني آدم). ص ص 117-118 من القصة. وفي هذه القصة يتجسد (إبليس) كائناً إنسانياً له مشاعر ونزوات!! له زوجة وصديقات، وله قدرة خارقة على الإغواء وخلق الفوضى العارمة!! وبين الكونين: البشري/ التقني، والديني/ التراثي، تتشكل الرمزية والدلالات والتلميحات النصوصية، التي تشي بعالم فانتازي/ قصصي وسردي تمتلك آفاقه الذات الساردة/ المؤلفة/ الطبيبة/ الكاتبة سمر مدني علاقي!! * * * (3) ومن جماليات العنوان ودلالاته وتشظياته داخل المتن النَّصِّي في المجموعة القصصية، تبدو جمالية ثانية تكمل الأولى وتسير في فضاءاتها النصوصية تلك هي جمالية الوصف والتصوير. إن الكاتبة/ المؤلفة تمتلك لغة وأسلوباً نثرياً قادراً على الاحتواء والاستحواذ من خلال بنية أسلوبية مكتنزة بروائع التوصيف والتصوير والتجسيد!! وعندها من البلاغة التعبيرية ما يجعل من الجوامد والمشاعر الخفيات، كوائن محسوسة وملموسة في الواقع، تنقل القارئ/ المثقف، والناقد المتأمل من فضاء المعاني إلى تجلياتها، ومن غيبية الدلالة إلى حضورها المعرفي، في تداولية خطابية معبرة وشفافة!! تقول في قصة (بين الكروسان واللفت) ص ص 170-175: - روحان هائمتان... هي الأشبه بمحلول سكر بات ليلته يحترق. - وهو الأشبه بزهرة لوتس نبتت من جدول عذب. - قلبه يسبقه إلى سمرة زكية الداكنة/ شعرها الأشبه بفلفلة جف عصيرها. - استقر بجانبها كهِرٍ فارسيٍّ أليف يصدر صريراً متقطعاً. وتقول في قصة (سارق القبور) ص ص 74-91: - استقام بجسده النحيل، بائن الطول كغصن يابس نزع من شجرة عجوز. - أم هاني.. شديدة سواد الشعر ذات وجه أبيض مفرود الجلد، لم تغادره وضاءة الشباب وحسنه. وتقول في قصة: الطفلة الخالة ميمونة ص ص 57-62: - كانت الموظفة المستجدة مربوعة الطول، زهراء الوجه، تمتلك ذاك النوع من البهاء النوراني الملائكي. - شعرت بجسدي يتهاوى... داهمني فزع عارم وأنا أسمع صدى ضحكاتها تتلاطم في مكان ما من ذاكرتي, هذه المقتبسات الواصفة/ التعبيرية/ التصويرية/ التي تجسد ببلاغتها النثرية صوراً تغيب في الواقع لكنها تستعيد مساحتها الذهنية في ذاكرة القارئ، فكأنه يلمس هذه الصور لمساً حسياً مشاهداً. وفي ذلك من البلاغة والأساليب الجمالية ما يرفع من قيمة الكاتب والمكتوب. * * * (4) ولـ(الأمكنة) دورها الجمالي في النَّص القصصي، فالمكان في السرد القصصي، هو الركن الأساس الذي تدور فيها الأحداث، هو البيئية الاجتماعية، والجغرافيا النصِّية التي تتحرك فيه الشخوص والقضايا والحوادث. وله دور محوري في القصص السردية، حيث يعمل كوعاء للحبكة وإطاراً رامزاً ودالاً على الدهشة والإثارة، وفي هذه المجموعة تحتفي المؤلفة/ الكاتبة/ القاصة بالمكان وتنويعاته، وفضاءاته، ودلالاته!! ففي القصة المركزية التي اختارتها القاصة عنواناً للمجموعة كلها (جارنا العزيز إبليس) نجد الفضاءات المكانية: الحديقة، الحجرات، المكتبة الصوت/ مرئية، السرداب، الملف الإليكتروني، جهاز التابلت!! وكلها أماكن حسية ومعنوية ودلالات حاسوبية إليكترونية، توظفها الكاتبة توظيفاً رمزياً دالاً، وغنياً بالتكثيف اللغوي والتعبير الأسلوبي، مما يعطي (المكان) سلطته النَّصية داخل المتن القصصي!! وفي قصة (انزلاق) ص ص 63-71 ، يتنامى المكان من صالون إلى مقصورة، ومن مستشفى إلى حارة، ومن مرسيليا إلى مدرسة الموسيقى!! وهنا يجد القارئ هذه الأماكن متعددة الدلالة، فمن الأماكن الداخلية (المقصورة – الصالون) إلى الأماكن العامة (الحارة، المستشفى)، إلى الأماكن الخارجية (مرسيليا)، إلى الأماكن النوعية (مدرسة الموسيقى)!! وفي قصة (التيفو العظيم) ص ص 103-114، نجد المكان بتشظياته الدلالية والمعرفية، (المقعد القديم، الذاكرة البشرية، الجنَّة)، الشجرة العملاقة وظلَّها الوارفـ هنا تتحول الأماكن من معنوية إلى حسية، ومن واقعية إلى خيالية، ومن دنيوية إلى أخروية. وكل هذه الجماليات المكانية نجد لها رصيداً وافراً في كامل المجموعة مما يفوق القدرة على الحصر.. لكنها تعطي دلالة التشيؤ المكاني، والحيز الجغرافي المتنامي واقعياً وخيالياً، ويجعل من النصوص القصصية مجالات تستولد خصوبة المكان وانعتاقاته بين الواقعية والفنِّية، وأبعاده الثقافية والمجتمعية،. * * * (5) وختاماً.. فنحن أمام كاتبة/ مؤلفة جاءت من أفق آخر غير الأفق الأدبي/ القصصي، فهي طبيبةٌ صاحبة علم طبِّي، حياتها بين الأمراض والمشافي والمرضى، ومنها تستقي تجربتها. لكنها تمتلك الخصوصية الثقافية والأدبية فحفرت في أذهاننا كثيراً من الدهشة والروعة والفلسفة. وحرضتنا على التواصل والتثاقف مع منجزها الذي كنت أعده وحيداً وجديداً!! ولكن مع البحث وجدت لها أكثر من ثلاث مجموعات قصصية بعضها موجه نحو أدب الطفولة. وهي ابنة الرجل الأنيق والخلوق، رجل الإدارة والقيادة، العالم/ الرمز، الأستاذ الدكتور مدني علاقي، صديق المثقفين والأدباء، ابن جازان البار، والحجاز حيث مكة الجوار وجدة الحضارة والسياحة والإيثار!! فلا غرو أن تخرج القاصة والأديبة من دار لها اهتمام بالفكر الإداري، وتواصل مع المعارف والعلوم، ومحبة لأهل الثقافة والأدب والجمال. والحمد لله رب العالمين.