عوالم طاهر!

تذكرني أعمال طاهر الزهراني السردية بتجربة نجيب محفوظ الواقعية، فكما سرد محفوظ الحارة المصرية سرد طاهر الحارة في جدة، ونقل هذا العالم الواقعي، مع توظيف رمزي قدّم فيه الحارة نموذجا رمزيا لسردية الوجود، يظهر ذلك بوضوح في أطفال السبيل الرواية التي كتبها برشاقة سردية وتوظيف عميق جمع فيه بين الواقعي والرمزي، حين جعل الغراب هو السارد الأول، كما كان الشاهد الأول على أول جريمة قتل في الوجود. وفي دراسة دكتوراه قدمها الباحث ناصر الفهمي عن الشخصية في روايات طاهر الزهراني ظهرت مقدرة الروائي على التنوّع في طريقة السرد مثلما كانت الشخوص متنوعة أيضا مما يدل على قدرة السارد وخبرته  في صناعة عوالم شخصياته مع رسم ملامحها وسماتها. ومما قرأته لطاهر  من الروابات: أطفال السبيل والفيومي وآخر حقول التبغ، بالإضافة إلى مجموعة قصصية عن الحارة وفيها يظهر  ولع طاهر بالشخصيات الهامشية في الحياة، تلك التي ينتخبها من الشوارع الخلفية ليضعها تحت عين القارئ، بل وعلى مجهر السرد؛ ليتاح لقارئه استخراج الأنماط والنماذج الإنسانية التي صقلتها تجارب الحياة وطحنتها المعاناة فصارت ناضجة كرغيف خبز.  يكتب طاهر وهو على مسافتين من شخصياته: مسافة قرب تمكّنه من الدخول في أعماقها والتعبير عن خلجاتها، ومسافة بعد تجعلها أكثر تمثيلا وتمثُّلا للواقع، وهو في كل ذلك لا يسرد سوى عالم يضجّ بالحياة والحيوية. ومن الشخصيات التي يبدو لي فيها التأثّر بعوالم محفوظ شخصية ناجي في أطفال السبيل، فهي تسلّ خيطا خفيا من ناجي في رواية الحرافيش، من خلال صناعة النبابيت من جهة، وطبيعة الشخصية نفسها في أنها شخصية معجونة بتراب الحارة وطينها. يمثّل طاهر الزهراني نموذجا للسارد الذي يعيش داخل الكتابة بشغف، فهو سارد موهوب يشتغل على نصوصه بحب ويتفاعل مع شخصياته كما لو كانت تشاركه تجربة الوجود، فهو من خلالها يطلّ على العالم ليكتب عالمه الخاص المفتون بشغب أولاد الحارة وفطرة رجال القرية.  أخيرا أتوقع لطاهر الزهراني في مستقبله السردي القادم أن يتجاوز الرواية الواقعية التي توظف الأحياء والمدن والقرى إلى عوالم رمزية وفلسفية تنقل سرده إلى مدارات جديدة ليسير على طريق محفوظ في بناء عالم سردي متعدد الرؤى والتصورات، وليضيف شخوصا جديدة غير شخوص الحارة والقرية والمدينة الساكنة في وجدان الأحياء الشعبية القديمة.