محمود درويش والقراءة.

ربما كان الفقر هو سبب توجه الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش للشعر، حيث كانت هوايته الرسم، لكن والده لم يستطع أن يوفر له أدواته، فقال بعد ذلك: “آلمني ذلك كثيرًا، فبكيت وتوقفت عن الرسم، وعندها حاولت التعويض عن الرسم بكتابة الشعر. كتابة الشعر لا تتطلب نفقات مالية”. لكن يبدو أن ذلك كان في مصلحته ومصلحتنا؛ فقد كسبنا شاعرًا كبيرًا بحجمه؛ لأنه التصق حينها بالقراءة لأسباب متنوعة فقال: وجدت عزائي وتعويضي عن هذا التيه بالقراءة المبكرة، التهمت كثيرًا من الكتب وأنا في سن مبكرة جدًّا، دون أن أستوعب ماذا أقرأ، لكن مجرد أن أقرأ كانت القراءة تنقلني إلى عالم آخر، إلى عالم مضاد للعالم الذي أعيش فيه، وتعطيني تعويضًا عن الخسائر الكبرى التي لحقت بنا. أَحَبّ الكتب لدرجة العشق، ورغم تنقله من بلد لآخر فقد كان يجمعها حيثما ذهب، لكن هذا العشق لم يمنعه من إهداء أعداد كبيرة منها للآخرين، حيث وزع بعضها على أصدقائه ثم تبرع بأكثر من ألفي كتاب للمكتبات الأردنية، وقد كان الكتاب الوحيد الذي يحمله معه هو ديوان المتنبي. وقد كان لوالده الفضل في تعلقه بعالم الكتب، وهو ما عبر عنه أخاه أحمد حين ذكر أن أباه كان يكدح من أجل توفير الخبز والكتب لهم، حيث كانت الأخيرة (التسلية الوحيدة المتاحة لهم). وقال درويش عن والده في لقاء له مع مجلة نزوى: كان يفرح بقدرتي على القراءة، وحين هاجرنا إلى لبنان وكان معنا كان يعطيني الصحيفة كي أقرأها بصوت عال (الطروادي الأخير.. حوارات محمود درويش، سعيد البرغوثي، ص 55). وكان محمود درويش وأخاه أحمد يستعيران بعض الكتب من أصدقائهما، حتى إن شاعرنا الكبير كان ينسخ بعضها حين يستعجل أصحابها في إرجاعها إليهم، ومنها أشعار نزار قباني والسياب والبياتي، كما صرح بذلك أخاه أحمد. وقال أيضًا إن من أسباب توجهه للقراءة أن زميلًا له ضربه مرة في المدرسة بدون سبب، ما دفعه لعزلة مبكرة؛ “حيث كنت آخذ كتابًا وأذهب إلى حرش الزيتون وأقرأ وحيدًا (المصدر السابق، ص 57). وقد جسّد حبه للكتب فيما بعد بقوله: “ومن مُـتعِ الدنيا جلوسكَ خاليًا.. وحيدًا سوى من قهـوةٍ وكِـتاب”. وقد كان حرمانه من القراءة في السجن من أسوأ ما مر به، حيث كتب إلى أخيه أحمد: لم أقرأ سوى كتاب واحد سُمح لي بإدخاله معي هو كتاب (همس الجنون) لنجيب محفوظ (وهي مجموعة قصصية). وكان من عادات هذا الشاعر الكبير إدمانه على كتاب لسان العرب، فكان يطالعه صباح كل يوم، لكي ينهل من مفرداته ما يشبع رغباته وينعكس على كتاباته. ورغم كون درويش شاعرًا بارزًا فقد كانت لديه أمنية أن يكتب رواية واحدة في حياته، وهو ما لم يوفق إليه. وقال في لقاء مع مجلة نزوى العمانية: لدي بالفعل حنين إلى النثر، وأتمنى أن أفشل شعريًّا لأتجه إلى النثر، لأنني أحبه وأنحاز إليه، وأعتبر أن فيه أحيانًا شعرية متحققة أكثر من الشعر نفسه.