عدميَّةُ اللَّحظاتِ الحرجةِ .
دارَ حوارٌ بيني وبينَ شابٍ في مرحلةِ البكالوريوسِ، كانَ لا يقيمُ وزنًا لدراستهِ، دائمَ الغيابِ، وإن حضرَ فحضورهُ باهتٌ، لم يكن مؤذيًا، بل كانَ سلبيًا، درسَ المادةَ أكثرَ من مرةٍ ولم يجتزها، قررتُ بعدَها أن أقفَ على حالتِه، وطلبتُ منهُ أن يراجعنِي في مكتبِي. جاءنِي متثاقلًا، رحبتُ به، ووضعتُ أمامَه ملاحظاتِي، وقلتُ له: أريدُ أن أسمعَ منك، لا بصفتي أستاذًا، بل صديقًا، ثمَّ تفاجأتُ حينَ قالَ: لو كنتُ صديقَك لما دعوتنِي إلى مكتبكَ، بل أنتَ أستاذٌ وأنا طالبٌ!! فهمتُ منهُ أنهُ يعتقدُ أني أحاسبهُ، فوضَّحتُ له قصدِي، فقالَ: لم أطلب شفقةً منكَ، شعرتُ بالاستفزازِ، لكني ضبطتُ مشاعرِي، وقلتُ لهُ: لستَ مجبرًا على الجلوسِ، وتستطيعُ أن تغادرَ، ثمَّ خرجَ، وشعرتُ بفشلِي في الكشفِ عن حقيقةِ ضجرهِ من الحياةِ. وبعد أيامٍ لم يحضر الاختبارَ النصفيَّ، ولم أسأل عنهُ حتَّى أعيدَ جدولةَ الاختبارِ، وفي اليومِ نفسهِ طرقَ بابَ مكتبِي، رحبتُ به وأنا مترقبٌ ما سيقولُ، توقعتُ أنهُ سيبررُ غيابهُ، لكنهُ فاجأنِي: لماذا لم تسأل عن غيابِي كما هو معتادٌ؟ فقلتُ له: لأنَّكَ خرجتَ دونَ أن نتحدثَ في اللقاءِ السابقِ، قالَ: جئتُ اليومَ لأتحدثَ بإرادتِي. ظللتُ أستمعُ إلى مرافعتهِ ضدَّ الحياةِ، وخلاصةُ ما قالهُ أنَّه لا يؤمنُ بجدوى أيّ شيءٍ في الحياةِ، لم يكن يائسًا بل عدميًا، فاليأسُ حالةٌ شعوريةٌ تأتي وتذهبُ، لكنَّ العدميةَ موقفٌ إذا تمكنَ من الإنسانِ ألغى أهمَّ خاصيةٍ فيهِ وهي الشعورُ بالمسؤوليةِ. وهنا استحضرتُ آيةً قرآنيةً بفهمٍ مختلفٍ، ولم تكن سوى إشارةٍ ربانيةٍ لعدمِ التَّقليلِ من جدوى أيّ شيءٍ، حتَّى ما يصيبُنا له جدوى في حياتِنا، وهذه الآيةُ هي: (ومن يعظّم شعائرَ اللهِ فإنَّها من تقوى القلوبِ)، فالاهتمامُ بشعائرِ اللهِ طريقٌ لفهمِ الحياةِ، وليسَ مجردَ شعائرَ طقسيةٍ عابرةٍ، وهذا الفهمُ يقودُ لاستيعابِ طبيعةِ الحياةِ من حولِنا. بعدَها استأنسَ المجيءَ إلى مكتبِي من وقتٍ لآخرَ، استمرَّ التواصلُ، وكأنهُ يبحثُ عمن ينصتُ إليهِ، حتَّى نحجَ الطالبُ في أن يخلعَ رداءَ العدميَّةِ واللاجدوى، وهو الآنَ شخصٌ مرموقٌ في مجتمعِه!!