القمة التي تضيق بأصحابها

نعيش في زمنٍ تتضخم فيه (الأنا الرقمية) لم يعد السؤال: ماذا أقدّم؟ بل: كيف أظهر؟ ولم يعد التقييم مبنيًا على القيمة بقدر ما أصبح قائمًا على الواجهة التي تُعرض لا الجوهر الذي يُبنى. وفي هذا السباق المحموم، يبدو أن الخوف الحقيقي ليس من الفشل، بل من الهامش من أن تكون عاديًا، غير مُشار إليك، غير مُلتفت لك. هذا الخوف تحديدًا هو ما يصنع هذا اللهاث الجماعي نحو القمة، وكأن الوجود لا يثبت إلا بالانفراد بها. يتوهم البعض أن المكان الأعلى هو الدليل الوحيد على الاستحقاق، وأن الوصول إليه يمنحهم شرعية لا ينازعهم فيها أحد. لكن ما لا يُقال كثيرًا، هو أن هذه القمة حين تُبنى بهذه العقلية ليست انتصارًا بقدر ما هي فخ. القمة التي لا تتسع إلا لشخص واحد، تُحوّل صاحبها إلى حارس قلق. بدل أن يقف ليرى الأفق، يقف ليراقب من خلفه. بدل أن يستمتع بما وصل إليه، ينشغل بمن قد يسلبه هذا الوصول. تتحول الرحلة من معنى إلى معركة، ومن شغف إلى توتر دائم، ومن إنجاز إلى عبء ثقيل يُحمل على الكتفين. لهذا أرى أن القمة الحقيقية ليست موقعًا جغرافيًا في سلّم الآخرين، بل أثرًا خاصًا في طريقك أنت. هي ليست أين تقف، بل ماذا تترك. هي تلك البصمة التي لا تشبه سواك، والتي لا تحتاج أن تُقصي أحدًا لتثبت نفسها. وكما أن البصمات لا تتكرر، كذلك القمم لا ينبغي أن تكون نسخة واحدة يتزاحم عليها الجميع. التنافس، حين يُفهم بعمقه، لا يكون مع الآخرين، بل مع النسخة القديمة من الذات. مع تلك التي كانت أقل وعيًا، أقل نضجًا، أقل جرأة. هو حوار داخلي مستمر، لا صراع خارجي مستنزف. الخلاصة: من كان مشغولًا بـ ماذا يقدّم، وجد أن القمة تتسع له ولغيره، بل وتزداد اتساعًا كلما أعطى. ومن كان مشغولًا بـ أين يقع، عاش في ضيقٍ دائم، حتى لو وقف وحده في أعلى النقطة.