رحيل الدكتور محمود الربداوي..

صاحب أبي تمام...والراصد للمصطلحات الأدبية والنقدية.

تعاقدتْ معه جامعة الملك سعود في المدة من 1404ـ1421هـ (1984ـ2000م)، وتعرفنا عليه في المبنى الحالي للجامعة، ولم نره في المبنى القديم في الملز، ذلكم هو أستاذنا المحبوب الدكتور محمود جبر الربداوي (1932ـ2026م) رحمه الله الذي تميّز بالعلم والتواضع والقرب من الطلاب. سجّلتُ عنده مقرر (النقد الأدبي) في آخر فصل دراسي لي في قسم اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب (كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية حاليًا)، وكان ذلك في عام 1406هـ/1986م، كما سجّلت عنده مقررًا آخر، وهو (رسالة قصيرة)، وأصبحت أتردد على مكتبه، وأطرح عليه الموضوع الذي سأكتب فيه بحث التخرج، ولقيت منه كل دعم وتشجيع وتوجيه، وكتبت البحث، وطبعته، وحصلت على أعلى درجة، وكذلك في مقرر النقد، أحببت الأستاذ فاجتهدت في المقررين، وكان من أقرب الأساتذة الذين تعلمت على يديهم واستفدت منهم. وحين تخرجت من القسم، وعُيّنت مذيعًا ومعدًا للبرامج في إذاعة الرياض، وبدأت الإذاعة تُسند لي بعض البرامج التي تتطلب التسجيل مع الضيوف خارج الإذاعة كان شيخي من ضمن الضيوف الذين استعنت بهم، وأخذت رقمه من قسم اللغة العربية وآدابها، وأثناء عملي في الإذاعة في المدة من 1406ـ1426هـ (1986ـ2006م) أُسند إليّ برنامج اسمه (كتاب وقارئ) عام 1410هـ، فتواصلت معه في نهاية عام 1410هـ وطلبت أن أسجل معه أكثر من حلقة، فوافق ورحب بزيارتي له في سكن جامعة الملك سعود، فذهبت إليه، وسجلت معه أربع حلقات مدة كل حلقة عشر دقائق، واستعرض خلالها أربعة كتب، وهي: مع الناس للشيخ علي الطنطاوي، والهفوات النادرة لغرس النعمة الصابئ، وبين البحر والصحراء لشفيق جبري، وديوان ابن سينا. وعندما بدأت العمل في الصحافة مشرفًا على الصفحات الثقافية في جريدة المسائية (إبداع) عام 1411هـ/1991م استكتبته، فكتب مقالاً عنوانه “وصيتي لناقشي الحروف”، وهو منشور بتاريخ 22/3/1412هـ (1/10/1991م)، وكتب في مقدمة المقالة كلمات عن صلتي به فقال: “لهذه الصفحة مكانة في نفسي حيث إن معدها أحد أبنائي وتلاميذي؛ ولذلك لم أتردد في الكتابة فيها عندما وصلتني الدعوة للمساهمة والركض مع المبدعين في (إبداع)”. ثم طلبت منه أن يطلع على مواد الصفحات الثقافية (إبداع) في أسبوع محدّد، ويكتب عنها نقدًا لزاوية عنوانها “قراءة في ملحق إبداع الماضي”، فقرأ الصفحات وكتب مادة ممتازة نشرت بتاريخ 11/5/1414هـ (26/10/1993م). كما استكتبته مجلة الفيصل بعد هذا التاريخ، وكتب زاوية شهرية عنوانها (قصة قصيدة) استمرت بضع سنوات، واطلعت على بعض الحلقات المنشورة في عامي 1417و1418هـ (1997و1998م)، ومن عناوين الحلقات التي اطلعت عليها: غادة من الأندلس لعمر أبو ريشة، ونفحة مهجريّة (قصيدة لزكي قنصل عن اللغة العربية). وللدكتور الربداوي رحمه الله صلة بالنادي الأدبي بالرياض إذ ألقى فيه محاضرتين، وهما: علم الجمال ونصيب العلماء المسلمين منه، 1408هـ (1988م)، والمصطلح النقدي: تاريخاً وتطورًا، 1411هـ (1990م). وقد حصلت على أربعة كتب من مؤلفاته إهداء منه في زياراتي لمنزله، وهي: دراسات في اللغة والأدب والحضارة، والمتخيّر من كتب النقد العربي، ومبادئ النقد، واللغة العربية لغير المتخصصين، واقتنيت كتابه “كشّاف العبارات النقدية والأدبية في التراث العربي” الصادر في عام 1420هـ/1999م من معرض الرياض الدولي للكتاب. وحين شرعت في كتابة هذا المقال عنه اكتشفت أنه أصدر واحدًا وعشرين كتابًا، أقدمها صدر في عام (1959م)، وفيما يلي بيان بمؤلفاته التي وقفت عليها، أو تحدث عنها بعض تلاميذه، وهي: •دراسات موجزة في الأدب العربي الحديث، الطبعة الأولى، دمشق: مطبعة الجمهورية، 1959م. •الحركة النقدية حول أبي تمام: تاريخها وتطورها وأثرها في النقد القديم، الطبعة الأولى، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1965م، والطبعة الثانية عام 1967م (جزآن). •نصوص من النقد الأدبي عند العرب، الطبعة الأولى، دمشق: مطبعة ابن خلدون، 1969م. •مقدمة طبقات الشعراء لابن سلاّم الجمحي (تحقيق)، دمشق: دار الفتح، 1969م. •دراسات في اللغة والأدب والحضارة، الطبعة الأولى، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1400هـ/1980م. •الفن والصنعة في مذهب أبي تمّام، 1980م. •المتخيّر من كتب النقد العربي، الطبعة الأولى، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1401هـ/1981م. •مبادئ النقد، الطبعة الأولى، جامعة دمشق: مديرية الكتب الجامعية، 1401هـ/1981م. •النقد العربي القديم، الطبعة الأولى، جامعة دمشق: مديرية الكتب الجامعية، 1401هـ/1981م. •اللغة العربية لغير المتخصصين، الطبعة الأولى، جامعة دمشق: مديرية الكتب الجامعية، 1401هـ/1981م. •التيّارات والمذاهب الفنية في الأدب العباسي، 1982م. •ابن حجّة الحموي: شاعرًا وناقدًا، الطبعة الأولى، دمشق: دار قتيبة، 1982م. •كشّاف العبارات النقدية والأدبية في التراث العربي، الطبعة الأولى، الرياض: مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، 1420هـ/1999م. •الوصايا، الطبعة الأولى، دمشق: اتحاد الكتّاب العرب، 2004م. •معجم المصطلحات النقدية والأدبية التراثية، الطبعة الأولى، بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2024م. •التيارات والمذاهب الفنية في الشعر، جزآن. •انتشار اللغة العربية في القارات الخمس. •دراسات في المصطلح والتداخل اللغوي. •هل الجمال نعمة أم نقمة؟ •علم الجمال وتطبيقاته في الشعر العربي والنثر والقرآن. •ذهب الذين أحبهم. وبالنظر إلى مجمل مؤلفاته نلحظ أن كتابين منها في الأصل كانا رسالتين جامعيتين، وهما: الحركة النقدية حول أبي تمام: تاريخها وتطورها وأثرها في النقد القديم (رسالته في الماجستير)، وابن حجّة الحموي: شاعرًا وناقدًا (رسالته في الدكتوراه)، وحصل على الدرجتين من جامعة القاهرة. كما نلحظ أن بعضها ألفه بتكليف من جامعة دمشق حينما كان يدرّس فيها بعد عودته من الابتعاث إلى مصر، وأصبحت مقررات جامعية، وهي: مبادئ النقد، والنقد العربي القديم، واللغة العربية لغير المتخصصين، والأخير واضح أنه كان مقررًا على طلاب الجامعة من غير المتخصصين في اللغة العربية. ونلحظ كذلك اهتمامه بالجانب المعجمي فألف كتابين، وهي أعمال شاقة وتأخذ وقتًا طويلا في البحث والرصد، وهما: كشّاف العبارات النقدية والأدبية في التراث العربي، ومعجم المصطلحات النقدية والأدبية التراثية. أما كتابه (ذهب الذين أحبهم) فلم أقف عليه، ولكن يتضح من عنوانه أنه مقالات كتبها رثاء لبعض معارفه وأساتذته. صدر عنه كتاب في دمشق بعنوان “الدكتور محمود الربداوي” ضمن سلسلة الأعلام عن اتحاد الكتّاب العرب عام 2009م. انتقل شيخنا وأستاذنا الغالي إلى رحمة الله تعالى في دمشق عن عمر ناهز الخامسة والتسعين عامًا، وذلك يوم السبت 1/11/1447هـ (18أبريل 2026م) رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته. ومن أبرز تلاميذه في سوريا: الدكتور محمد حسان الطيّان، والدكتور علي أبو زيد، والدكتور محمد خير البقاعي، والأستاذ أيمن ذو الغنى، وفي السعودية: الدكتور فهد البكر، والدكتور أحمد الحسين، والدكتور عبدالهادي الشهري، وفي الجزائر: الدكتوره باني عميرة، والدكتوره خولة طالب الإبراهيمي، والدكتور طاهر ميلة، وغيرهم. وقد نعته بعض الجهات الرسمية، ومنها: وكالة الأنباء السورية (سانا)، واتحاد الكتّاب العرب، وأعدت عنه موسوعة (ويكيبديا) بجهود تلميذه الوفي الأستاذ أيمن بن أحمد ذو الغنى ترجمة موسّعة ومهمة للغاية، ولعلها تطوّر إلى كتاب. ولعل أبناءه الكرام: (المهندس معتز، والدكتوره ميساء، والدكتوره غيداء) ينهضون بمهمة إعادة طباعة كتبه النافدة، وطباعة ما لم يطبع من قبل، وإنشاء موقع إلكتروني باسمه يضم كامل مؤلفاته وبحوثه ومقالاته، وهو أمر يليق ببرهم وبهمتهم العالية. رحم الله شيخنا وأستاذنا الجليل أبا معتز الدكتور محمود جبر الربداوي، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة. * أستاذ الأدب والنقد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقًا