عن كتاب الباحثة سلوى عبد القادر سليمان..

جدة في العصر المملوكي.. خط الدفاع الأول ضد الغزو البرتغالي.

مدينة جدة إحدى المدن التاريخية القديمة، اشتهرت منذ ما قبل الاسلام، حيث سكنتها بعض قبائل قضاعة، كما استوطنها لفترة من الزمن تجار من الفرس، وذلك لموقعها الاستراتيجي على البحر الأحمر لاتصالها البحري مع أفريقيا والهند، وبعد الإسلام أصبحت بوابة مكة، وبما أن أهل مكة كانوا متخصصين بالتجارة بين الشام واليمن، فإن أهمية جدة التجارية تضاعفت خاصة مع ازدهار النقل البحري. فريضة الحج وضعتها في مقدمة مدن الحجاز. الباحثة سلوى عبد القادر السليمان بحثت تاريخ جدة في العصر المملوكي الذي دام ما يزيد على قرنين ونصف، وهي الفترة التي انتقل فيها مركز العالم الإسلامى إلى القاهرة، بعد سقوط بغداد في أيدي التتار، وغزوات المغول. هذه الغزوات التي عطلت الطرق البرية التى كانت تنقل منتجات الصين والهند عبر براري آسيا إلى العالم الإسلامي ومن ثم إلى أوروبا. زاد هذا من أهمية النقل البحري الذي جعل جدة في مركزه. والكتاب فيه ما يشير إلى أنه في الأصل كان رسالة علمية، وهو من مطبوعات نادي جدة الأدبي.   ورثت دولة المماليك الدولة الأيوبية وأوقفت زحف التتار على العالم الإسلامى كما تصدت للغزوات الصليبية، وكان عليها بعد ذلك أن تتصدى للغزو البرتغالي الذي هدد العالم الإسلامى بعد اكتشاف رأس الرجاء الصالح، وكان لدولة المماليك فضل حماية الجزيرة العربية من هذا الغزو الذي وصل إلى شواطئ جدة. استطاع الأشراف الحسنيون الاستقلال بمكة في منتصف القرن الرابع الهجري أي العاشر الميلادي، ونقلوا ولاءاتهم أكثر من مرة بين حكام العباسيين في بغداد والحكام الفاطميين في القاهرة. أرسل صلاح الدين الأيوبي حملة لفتح اليمن، استطاعت دخول مكة. كان للأشراف وضع يشبه الحكم الذاتي الخاضع لبغداد أو القاهرة، ولكن وصول الظاهر بيبرس إلى الحكم في مصر حسم أمرها لصالح دولة المماليك التي عملت على عمارة الحرمين، وتدخلت لحسم النزاع على شرافة مكة بين الأجنحة المتصارعة من الأشراف. وقد رتب بيبرس للأشراف مبلغ عشرين ألف درهم في السنة بشرط ألا يقوموا بجمع المكوس وألا يتعرضوا للتجار، وأن يُخطب باسمه في الحرم. ومن ثم توجه لأداء فريضة الحج. وقد أصبح هناك أميرٌ من قِبله يرجع حل مشاكل الإشراف إليه، وكذلك أرسل حامية عسكرية لتوطيد الأمن، وإلى حد ما دان الأشراف له.    تمت إدارة جدة من قبل السلطان المملوكي مباشرة. وخاصة مع تزايد أهميتها في التجارة الدولية، غزوات التتار أدت إلى انقطاع الطريق البري عبر آسيا وانقطاع التجارة البحرية عبر الخليج الفارسي (كما أسمته المؤلفة). وإضافة إلى التعنت في فرض الضرائب العالية من قِبل حكام عدن، كل ذلك أدى إلى اعتماد طريق البحر الأحمر لتجارة الهند والصين مع تجاوز ميناء عدن. الصراع بين جنوا والبندقية، المدينتان الايطاليتان أدى إلى سيطرة تجار جنوا على موانئ البحر الأسود فتحولت تجارة البندقية إلى البحر المتوسط ثم مصر والشام متجاوزين بذلك القرار البابوي بتحريم التجارة مع المسلمين عبر طريق ميناء الإسكندرية، ثم برأ إلى موانئ البحر الأحمر في مصر، فبحرا إلى جدة، حيث يتم التبادل التجاري فتذهب تجارة الهند والصين بنفس الطريق إلى أوروبا، وتذهب تجارة البندقية عبر جدة إلى الهند والصين. وحدث أن وصلت أسرة منج إلى حكم الصين عام ١٣٧٨ م، واقتضت طموحاتها الاقتصادية التواصل مع السلطات الحاكمة في اليمن للمرور عبر عدن وتبادلت السفارات مع الحكومة الرسولية في اليمن مما عزز من أهمية طريق البحر الأحمر للصين.  ومما زاد من أهمية جدة أن بعض الإمارات الإسلامية التي نشأت على سواحل أفريقيا الشرقية قد وصل إلى السلطة فيها رجال من العرب، ممن استمرّ تواصلهم مع أقاربهم من حضرموت، وهذا أنعش خطوط التجارة بين أفريقيا وجدة، كما أصبحت التمور العراقية تصدر من جدة. ذكرت الكاتبة أن السلع المصرية كالدقيق والذرة والشعير وزيت السمسم والقماش من حرير وأصواف وكذلك التمور العراقية كانت تُشحن على السفن الهندية العائدة إلى بلادها.  في عام ١٣٢٢م خرج القبطان إبراهيم بسفينته من كالكوتا، وتفادى المرور بميناء عدن لسوء المعاملة، ثم رسا في جدة، وفي عام ١٣٢٥ م كرر القبطان ذلك فاتجه إلى جدة على رأس أربعة عشر سفينة محملة بالبضائع، وكان لهذا مردود كبير حتى أن السلطان المملوكي برسباي أرسل برجل يأتيه بنصيبه من تلك البضائع فبلغ ما حصله سبعين ألف دينار، وهكذا تزايدت السفن الهندية الي جدة، وتلتها السفن الصينية. ما وجدته السفن من ميزات في ميناء جدة تغير بعد أن تدخل الحكام الأشراف لتحصيل ضرائب كبيرة، ولذا حاولت السفن التوجه إلي ميناء سواكن في السودان وميناء ينبع، ولكن السلطان المملوكي تدخل وفرض على الأشراف قوانينه التي أدت إلى استقرار الأحوال الجاذبة للتجارة عبر جدة، كما حرص المماليك على منع الموانئ الأخرى من المنافسة مثل موانئ عيذاب والقصير في مصر، وتحولت الطريق لتصبح من جدة إلى السويس وأحيانا إلى القلزم الواقعة عند عند نقطة التقاء خليجي السويس والعقبة.  وهكذا نشأت في جدة أحواش لتخزين البضائع، ووكالات تتولى عمليات البيع والشراء، وخانات وهذه تشبه الفنادق توفر مأوى للمسافرين وللدواب، ونشأت وظائف المحتسبين للرقابة على السوق، وألف الناس شتى العملات من الأقاليم المجاورة والعملات الأوروبية، وسُكت عملات محلية عليها أسماء الأشراف بجانب أسماء سلاطين المماليك، كذلك استخدمت الحوالات والسفاتج، والسفتجة هي ورقة ضمان، وهذا يسر تمويل التجارة وحمى النقود من السرقة. كذلك برز نظام للاستثمار يشبه ما نشهده اليوم من شركات للاستثمار التجاري. وكان السلاطين يحتكرون بعض السلع لصالحهم مثل الفلفل، وهو اتجاه سبقهم إليه الأشراف، وقد فعلوا ذلك لتمويل العمل العسكري الذي فرضه عليهم الغزو البرتغالي.  كان للحامية العسكرية المملوكية التي أًرسلت إلى جدة دور مهم في إرساء الأمن ، مما أغرى الكثير من التجار باعتماد الطرق الي جدة ضمانا لوصولها سالمة، كما نشأ جهاز وظيفي في جدة يتبع السلطان المملوكي مباشرة ، فأنشأ ديواناً لتحصيل المكوس يرأسه مباشر ديوان جدة، وفيه الصيرفي الذي يحصل الأموال، كما أُنشئت وظيفة نائب جدة، وهو يوازي شريف مكة في مهماته، ونائبه يُسمى ناظر جدة ، وتوالي نواب جدة وزادت أهميتهم عندما تم اعتماد جدة كخط الدفاع الأول عن ثغور العالم الإسلامي ضد الغزو البرتغالي وكان لنائب جدة حسين الكردي دور كبير في صدهم عن جدة  ثم قاد حملة بحرية لحماية السفن التجارية القادمة إلى جدة عبر المحيط الهندي، وكان الجيش البرتغالي قد تعمد مهاجمتها. وجرد الكردي حملة عسكرية لتأديب عرب بني إبراهيم (جهينة) الذين اعتدوا على قافلة الحج المصرية. كما أتم بناء سور جدة بين عامي ١٥٠٥ -١٥١١م.  أدى انتعاش ميناء جدة إلى انتعاش سائر أوجه الحياة، فرغم أن جدة ليست منطقة زراعية إلا أن الأودية والقرى حولها كانت أراض زراعية مثل وادي فاطمة وقرى الحميمة و” أبو عروة” وبحرة وحدة وثول ومنطقة خليص. ونشأت دور لإصلاح السفن وصناعة أشرعة السفن من الحصير، وتخصص بعض سكانها في أعمال الزخرفة، وكذلك صناعة مسابح اليُسر، واليُسر شجر أسود يأخذونه من قاع البحر الأحمر. الوضع الاجتماعي في جدة تأثر بهذه التطورات، زاد عدد السكان وتعددت طبقاتهم، فقد سكنها الأشراف، وأفراد العسكر المملوكي، وطبقة العلماء من الفقهاء والقضاة وكان هؤلاء يتبعون السلطان نفسه، كما استوطنها تجار من شتى أنحاء العالم الإسلامي، من اليمن وحضرموت ومن الهند ومصر والمغرب والشام ومن التكارنة وهؤلاء من سكان السودان الغربي والأوسط. ونشأت طبقة أرباب الحرف، وطبقة العوام من العمال وكثير منهم كانوا عبيدا، وسكنها بعض أبناء قبيلتي جهينة وحرب، كما شكل الرقيق طبقة كبيرة من سكان جدة، منهم الرقيق الأوروبي الأبيض، والرقيق الأفريقي القادم عبر ميناء سواكن وكذلك حُمل إليها جوارٍ من الهند ومن الحبشة، تذكر الكاتبة أن المصادر المعاصرة تؤكد الأصل الحبشي للعديد من أمهات أبناء الحجاز وخاصة في الأسر التي اشتهرت بالعلم، وكان الأشراف يستكثرون منهم وخاصة حين تدور بينهم النزاعات.  من أوجه  التأثير المملوكي مشابهة منازل جدةً لمنازل مصر حيث أصبحت الرواشين سمة مميزة للبيوت علي شكل المشربيات في القاهرة. واكتسب أهلها بعض العادات الصوفية كزيارة قبور الأولياء وخاصة القبر المنسوب خطأً إلى حواء أم البشر، وتعددت زوايا الصوفية، وانتشرت الأسبلة لسقي الماء، كما ظهرت بعض الأمراض الاجتماعية كالرشاوي، ومن الطريف أن أهل جدة اكتسبوا عادة مضغ التونبول من الهنود.    وفي تلك الفترة أيضا ظهر عدد من علماء وعالمات الحديث والفقه ورواة الشعر، وتعددت مجالس العلم ومنح الإجازات لمن يتقن من الطلاب، كما نشأت المكتبات العامة الملحقة بالمساجد والمكتبات الخاصة بأصحابها، وهنا تذكر الكاتبة أن عصر المماليك كان عصر ازدهار المكتبات في العالم الإسلامي، وعلى جوانب المكتبات كان الناسخون والمجلدون، ولكل مكتبة خازن مهمته هى مهمة أمين المكتبة اليوم. كما تحدثت الكاتبة عن السجون والعقوبات للجناة وما إلى ذلك، والغريب أن نائب جدة حسين الكردي الذي حماها من الغزو البرتغالي، ولكنه أسرف في إيقاع العقوبات بالناس ليمول بناء السور، هو نفسه نالته العقوبة الغريبة وهي التغريق، إذ أُخذ الي منطقة عميقة من البحر وربطت ساقه بحجر ثقيل ليغرق. وتلك الأيام نداولها بين الناس.