سردٌ جميلٌ يقطرُ شِعْرًا.

* بيت المحرمات. كتاب “ بيت المحرمات “ لأناييس نن ، الصادر عن “ أزمنة “ في العاصمة الأردنية “ عَمّان “ وتولت الترجمة حنان شرايخة هو رواية قصيرة في 61 صفحة من القطع الصغير ..وجدتُ نفسي أقرؤها بنهمٍ ؛ ليس لكونها سردًا ينطوي على “ حكاية “ ، بل لكونها نصًّا اقتربَ حثيثًا من تخومِ شعرٍ مدهشٍ يقطرُ جمالًا ، ومن أفقِ كتابةٍ مغايرةٍ تبحث عن “ الحقيقة “ الأمر الذي “ يضعنا أمام تعقيدٍ لا يمكن للحقيقة ذاتها أن تقبلَ به ، فالحقيقة موزعةٌ فينا وبيننا وفي الآخر المختلف عنا ، في الأشياء وبينها كذلك ، وفي الآخر الذي هو نحن “ - كما كتبتْ المترجمة حنان شرايخة في مقدمتها الجميلة المقتصدة التي بدت لي كما لو أنها مدخلٌ يغري بالتحليق في عالم أناييس حيث “ الحقيقة القلقة التي تتمثلُ في وجهِ كائنٍ أو جماد ، سطحٍ أو صوت ، وجهِ الخوف والهولات والمتعة الغريبة “. من شدة صدق هذه الكتابةِ الموجزة التي وردت في 61 صفحة من القطع الصغير والتي نأت عن الثرثرة والتفاصيل الزائدة قالت أناييس حالَ انتهت من كتابتها : “لقد شعرتُ بأني أبصقُ قلبي “ ، وقالت المترجمة حنان للتأكيد على أهمية هذا الكتاب الذي نُشِرَ للمرة الأولى في العام 1958 : “ لقد شعرتُ بأنه طلعَ من عيوني ، وذلك فيما يتعلق بالتأويلات المتعددة التي يحتملها كنصٍّ مركَّب ، والشعرية والتصويرية المختلفة ، والغرائبية والحداثة التي امتاز بها هذا النص “. إن أجمل ما قالته السيدة حنان عن هذا العمل يتجلى في هذه العبارة : “ شعرتُ أنني كلما عايشتُ التفاصيل أكثر دخلتني هي - أي أناييس - وتخلدتُ هناك ، وبتُّ لا اعرف الحقيقة “..إن هذا الكتاب الصغير كما لو كان “ صرحًا بلا أبعاد ، أو مدينةً تتأرجح في السماء “. الملفت في كتابات أناييس حضور العرب في نصوصها بكامل جلالهم ووضاءتهم ووهجهم ، لمستُ ذلك في هذا الكتاب “ بيت المحرمات “ حين قالت : “ سمعتُ صوتَ العودِ الذي أُحْضِرَ من البلاد العربية ، وأحسستُ في نهديَّ تياراتٍ من النار التي سالت في قصر الحمراء “. كما لمسته في مجموعة قصصية لها بعنوان “ تحت جرسٍ زجاجيٍّ “ ، ترجمها المبدع العراقي ياسين طه حافظ بلغةٍ شديدةِ العذوبة ، وصدرت عن دار المدى بدمشق ..هنا تقول أناييس ذات الأعراق الكثيرة والدماء المختلطة : مشيتُ مع عربٍ ، رتلتُ معهم وصليت ، معهم جثمتُ في سكون ، أضعتُ نفسي في شوارع لا مخارج فيها ، شوارع رغباتي ..نسيتُ أين كنتُ ماضيةً ، فجلستُ عند جدرانٍ بلون الطين ، أصغي للصفارين يطرقون أطباقًا نحاسيةً ، أراقبُ الصبّاغين يغطسون حريرهم في دِلاءٍ من ألوانِ قوسِ قزح ..خلال شوارع متاهتي سرْتُ أخيرًا بأمان ..الحلمُ هنا يحملُ القوّةَ والضعف ، يلتحمان في عيون العرب ..مع العرب تركتُ الرمادَ يسقطُ والجسدَ القديمَ يموت “. بقيَ أن أقول إن ما يديرُ الأعناقَ إلى كتابها الصغير الجميل” بيت المحرمات “ هو هذا الفضاءُ الشعريُّ العميقُ الرحبُ الممتدُّ في هذا الكتاب السرديِّ العذب ، الأمر يجعلك تتساءلُ بدهشةٍ : “ هل أقرأ ديوان شعرٍ أم أتنزه في رواية ؟ “. للتأكيد على الشعرية الغزيرة في هذه الرواية ، أضع هنا هذه الومضات الشعرية الساحرة : 1 واقفةٌ للأبدِ على الحافةِ مثل إنسانٍ توجعُهُ الذكريات. 2 أمَّا نحن ، هي وأنا ، فقد كنا نميّزُ بعضًنا. أنا وجهها ، وهي أسطورتي. 3 الجسدُ مثل حزمةٍ هَشَّةٍ من القش. 4 خلف النوافذِ هنالكَ إمَّا أعداءٌ أو مُصَلُّون. 5 ستكونُ الحقيقةُ صفقةً مع الموت. أنا ملفعَّةٌ بالأكاذيبِ التي لا تنفذ إلى روحي. كما لو أنَّ الأكاذيبَ التي أرويها ثيابٌ. 6 للضوءِ هناك صوتٌ ، وأشعةُ الشمسِ أوركسترا. 7 على الغابةِ أن تبكي ، وأن تنحني مثل أكتافِ الرجال. 8 إنَّ أولَ الندى أكثرُ قدسيةً من الزهرةِ التي ستتفتحُ فيما بعد. 9 أنا لا أحبُّ أحدًا لا أحبُّ أيَّ شخصٍ حتى أخي لا أحبه. لا أحبُّ شيئًا سوى غيابِ الألم هذا الغيابِ العدميِّ الباردِ للألم. * صاحب الفخامة الديناصور “صاحب الفخامة الديناصور “ ، من أهمِّ الروايات التي أسرتني حين قرأتُها باكرًا ؛ لجهة المضمون الجسور الذي تتناوله و لما فيها من وقائعَ وأحداثٍ ذات صلةٍ بالواقعِ والحياة ، فضلًا عن سخريةٍ مريرةٍ وهجاءٍ عميقٍ لفكرةٍ ضريرةٍ اسمها “ الدكتاتورية “ ؛ ولأنها أيضًا مترجمةٌ إلى لغةٍ عربيةٍ صافية ، ولأنها تنطوي على سردٍ متدفقٍ مثل نبع. أذكر أنّي كتبتُ عنها في 2011 إضاءةً وافية.. وبمناسبةِ قيامِ دارِ “ المدى “ بإخراجها للنور في طبعةٍ ثانيةٍ ، بغلافٍ مغايرٍ ولمساتٍ جديدة ..آثرتُ الإشارةَ إليها مرةً أخرى بهدفِ ترسيخِ ما هو جميلٌ في السرد ، وإشاعةِ ما هو متألقٌ في اللغة ، وإنْ كانتِ الروايةُ هذه مهاجرةً إلينا من لغةٍ أخرى إلا أنها ظلت وفيّةً لأصلها الجميل وفتنتها الأولى. هذه الرواية أصدرها خوزيه كاردوسو بيريس في السبعينات ، فيما صدرَتْ طبعتُها الأولى في العربية في العام 1995 ، في 120 صفحة فقط من دون ثرثرةٍ أو زوائد أو لَتٍّ وعجنٍ كما يفعلُ كثيرٌ من “ رَبْعِنَا “ الساردين . قام بعبء الترجمة الشاعر والروائي العراقي المبدع فاضل العزاوي ، وهي “ تتحدّثُ عن سالازار ، ديكتاتور البرتغال ، و عن كيفية صناعة الديكتاتور ، بطريقة مواربة و ساخرة لدرجة البكاء “. هنا مقتطفات من هذه الرواية الجميلة : 1 عمّا إذا كان قد امتلك أي طفولة ؟ إن هذا يظلُّ لغزًا ، فعند هذه النقطة توقفت ريشة المؤرخين عن الكتابة .. وقفزت بضعة أعوام إلى الأمام .. فقد حصر المؤرخون همَّهم في رواية أنه وهو لا يزال طفلًا كان يحمل وسم الزعيم الذي لا تخطئه العين .. الزعيم الذي صاره فيما بعد . 2 عندما ظهر أخيرًا ، جلس على الكرسي ، محروسًا من أخيه البرونزي الواقع في الخلف ، وافتتح الجلسة بالكلمات : “ المعرفة هي سلطة الحاكم “ ! 3 إن معاليه وهو في حماسته العمياء لملاحقة الكلمات ، كان سجين نفسه هو بالذات ، أجل سجينًا محبوسًا داخل زنزانته .. لم يكن يستقبل عمليًّا ضيوفًا ولم يكن يحتاجهم ، ولكنه لم يكن يستطيع الاستغناء عن الكلام ، ومع ذلك كان يلقي خطبه لأجهزة التسجيل ( ... ) إنه كان يسمع نفسه ..من الثابت في كل الأحوال إنه وهو يسمع نفسه من كل هذه الأفواه الكثيرة ، قد نسيَ تدريجيًّا لغة البلاد ، وأصبح سجينَ لغتِهِ هو بالذات ! 4 كافحَ من أجل الكلمة ولم يَدَعْ شيئًا يثنيه عن عزمه حتى تلك اللحظة التي قرر فيها بعاطفية وهو يريد إلقاء إحدى خطبه : ـ “ إنني أستغني “ ..حيث أعلن أنه سوف ينسحب ، وهذا ما حدث أيضًا بعد ذلك فقد سجن نفسه داخل البرج إلى الأبد ! 5 عندما كان وسط خطبته اتقد شيءٌ ما في ذهنه فجأةً .. اتضح له أنه كان على وشك أن يلقي باللآلئ تحت أقدام هؤلاء الأميين الذين لا يصلحون لشيء .. بعد الآن لن يكترثَ بهم وبالبلادِ كلِّها .. لقد استغنى .. وفي اللحظة ذاتها التي استغنى فيها عن البشر اتجه إلى التاريخ ! 6 كان يعرف جيدًا حاجة الناس التقليدية عند المشاركين في يوم الخطبة ، ومع ذلك كان يريد أن يغشاهم الصوت .. أجل هذا ما كان يريده وقد أصرّ على ذلك .. ولكن الذين وجدهم أمامه كانوا سذّجًا ، من الذين يزدادون خسارةً في أرواحهم .. كان قد جمع حوله في الميادين كأتباع له خلقًا فوق خلق .. ولكنه كان في آخر المطاف أكثر وحدةً مما مضى .. 7 في الصباح الباكر عندما حدق في صورته في المرآة ، حيّا المرآة وسألها : من يتحدى مثلي العُمْر في هذه البلاد ؟ ـ لا أحد يا سنيور لا أحد .. إنّ حياةً منظَّمةً - بالإضافة إلى المعرفة والكلمة ـ تجعل الإنسان لا يموت ! 8 طاب يومك ، أيتها الكواكب “. .. .. بقية الخطبة كانت سَكْرَةً علاماتيةً ، وَجَّهَها بنكرانِ ذاتٍ إلى أمم الكون . نصح ووبّخ ( ... ) ولكن أسوأ ما في الأمر هو أن العوالم والكواكب لم تكن تقع على نفس طول موجته ( ... ) كانت ساهيةً تمامًا ، تفكر في اتجاه آخر .. * اللاطمأنينة. كتاب “ اللاطمأنينة “ لبيسوا ، هو كتابُ يومياتٍ فخمٌ عامرٌ بالتأملات الفلسفية في الحياة والموت والذات والآخر والزمن والكتابة والوجود والعدم والدِّين والمُكث والسفر والعزلة والقرية والمدينة والشوارع والحدائق والطفولة والطبيعة والتربية والحب والحزن والعذاب ...الخ ، في هذا الكتاب النثري ، في هذه اليوميات التي ترجمها المهدي أخريف ببراعةٍ نادرة ، عثرتُ على هذه البروق الشعرية الفاتنة : ـــ1ـــ الحياةُ شبيهةٌ بنزل ، عليَّ أن أبقى فيه بلا حراك ، إلى أن تأتيني الهِمَّةُ من الهاوية. ـــ2ـــ أنا هوامشُ مدينةٍ ليس لها وجود ، أنا التعليقُ المسهبُ على كتابٍ لم يُكْتَبْ. ـــ3ـــ لي سمائي الخاصةُ ، أرصعها خفيةً بالنجوم. ـــ4ـــ في ضبابةٍ من حدس ، أحسُّ أنني مادةٌ ميتة ، قدحٌ تحت المطر ، أنّةُ ريح. ـــ5ـــ لقد أسِنْتُ ، مثل بحيرةٍ مقفرة. ـــ6ـــ أستيقظُ منّي. ـــ7ـــ فجأةً ، ديكٌ يغني مثل مخلوقٍ من عالمِ السر ، يغني وهو لا يعرفُ الليل. ـــ8ـــ المخدعُ القديمُ لطفولتي المفقودةِ ، نأى مثلَ غيمة. ـــ9ـــ عزلتي ليست بحثًا عن سعادةٍ ، ولا عن طمأنينةٍ ، إنما عن حلمٍ ، عن انطفاءٍ ، عن تنازلٍ صغير. ـــ10ـــ عندما كنتُ أهبطُ السلَّمَ العتيقَ ، السلَّمَ الحجريًّ نحو الأسفل ، كنتُ أخرجُ من ذاتي ، فأعثرُ عليَّ. ـــ11ـــ الحياةُ بذاتِها ، في النهايةِ ، أرَقٌ هائل. ـــ12ـــ الظلُّ لا يعرفُ شيئًا عن القمصان. ـــ13ـــ لا أملكُ للغدِ سوى أرَقي. ـــ14ـــ الكلُّ غيومٌ ، فوضى من الأعالي. ـــ15ـــ أبحثُ عنّي ، فلا أعثرُ عليَّ. ـــ16ـــ عندما أكتبُ ، أزورُ ذاتي بجلال. ـــ17ـــ في غيومِ الجنوبِ ، أضعتُ روحي. ـــ18ـــ لقد ملأتُ يديَّ بالرملِ ، وأسميتُهُ ذهبًا. ـــ19ـــ المرأةُ منبعٌ جيّدٌ للأحلام ، لا تمسَسْها أبدًا.. حلمُكً لو مسَسْتَهُ يموت. ـــ20ـــ الحبُّ صوفيةٌ ، تتمرنُ على مستحيل. ـــ21ـــ يصعدُ إلى الروحِ ندَمٌ ، كأنه إله. ـــ22ـــ في عمقِ روحي حزنٌ يشبهُ صوتَ من ينتحب في غرفةٍ مظلمة. ـــ23ـــ إنني عبارةٌ عن رَفٍّ مملوءٍ بقواريرَ فارغة. ـــ24ـــ نحنُ نعمرُ الأحلام. ـــ25ـــ أكرهُ الحياةَ بحياءٍ ، أخشى الموتَ بافتتان. ـــ26ـــ أحلامي ملاذٌ بليد. ـــ27ـــ ما نحن إلا مسافرون لا يجبُ أن يولوا أهميةً زائدةً لحوادثِ المسافةِ ، ولرضوضِ الطريق. ـــ28ـــ الموتُ ، في حقيقتِهِ ، وعكةٌ غامضة. ـــ29ـــ الأحزانُ تشبه غُرَفًا لا يدخلها أحد. ـــ30ـــ نحن هاويةٌ تمضي صوبَ هاويةٍ أخرى، بئرٌ تحدّقُ في السماء. * مذكرات أدريان قرأتُ هذه الروايةَ “ مذكرات أدريان “ منذ أكثر من عشرين عامًا..مؤخرًا وجدتُني مسكونًا بحنينٍ عجيبٍ يحُضّني على تصفحها لتفقد آثارِ نزهتي السابقة في بساتينها الجميلة.. من عادتي حين أقرأ كتابًا وَضْعُ خطوطٍ بالقلم الرصاص تحت الجملِ والعباراتِ التي تدهشني ، وهنا كانت المفاجأة المذهلة : عثرتُ على الكثير من الجمال الآسر الذي يقتربُ من تخوم الشعر في الكثير من الأحيان..إنَّ ذلك يعودُ إلى عبقرية السرد المتدفق كالينابيع العذبة من بين أصابع مرغريت يورسنار ، وهو أيضًا يكمنُ في براعةِ المترجم الكبير عفيف دمشقية الذي ظلَّ متشبثًا بلغةٍ عربيةٍ صافيةٍ ، ذات عذوبةٍ آسرةٍ .. هنا اقتطفتُ أربعين قمرًا من تلك الأقمار أو اغترفتُ أربعين ينبوعًا من تلك الينابيع ؛ لنرى البونَ شاسعًا بين من يترجمُ نثرًا فيحيلُهُ بفضل براعتِهِ ورهافةِ حسِّهِ إلى شعر ..ومن يترجمُ شعرًا فيحيله بسبب خللٍ في حسّهِ إلى حطب : 1 المكتبةُ مستشفى الروح. 2 إن جسدي ليس سوى وحشٍ ماكرٍ سينتهي به الأمرُ إلى افتراسِ سيّدهِ. 3 الحبُّ نقطةُ التقاءٍ بين ما هو سِرٌّ وما هو مقدّس. 4 لقد ظننتُ قديمًا أنَّ نوعًا من تذوّق الجمال سيكون بمثابة فضيلةٍ عندي ويحسن تحصيني من الغوايات الوضيعة. 5 إنه لم يسبقْ لي قط أن نظرتُ إلى من أحببتُهم وهم نيام ؛ لقد كانوا يستريحون مني. 6 كثرةُ الطُّرُقِ لا تؤدّي إلى أيِّ مكان. 7 عندما لا يبقى لدى الفلاسفة ما يقولونه لنا ، فإن لنا لعذرًا في الالتفاتِ إلى زقزقةِ العصافير الفجائية. 8 في الوهمِ حسناتٌ. 9 لقد كانت أوطاني الأولى كُتُبًا. 10 كلُّ شيءٍ في هذا المحيطِ كان يعكّر صفوي باستثناءِ وجهِ “ بلوتينيا “ الجميل. 11 كنت أسير فوق الحبل المشدود ..فلم تكُنْ حاجتي تقفُ عند دروسِ الممثّل ، بل كان عليَّ تعلّم دروسِ البهلوان. 12 كان شَعْرُها راضيًا أن يكون كما أحبُّ أن تكون الشعور : عنقودًا من عناقيدِ عنبِ القطاف أو جناحًا من الأجنحة. 13 وإنّي لمغتبطٌ لها لأنها كانت تخافُ أنْ تشيخ. 14 ظلّتْ مخاوفي مقيمةً ، بيد أنّي كنتُ أخفيها وكأنّها جرائم. 15 إذا طالَ الأمرُ بالقناعِ أصبحَ وجهًا. 16 كان كلُّ حجرٍ تخثُّرًا لإرادةٍ أو لذكرى أو لتحدٍّ في بعضِ الأحيان ، وكلُّ بناءٍ كان مخطّطًا لحلمٍ من الأحلام. 17 مازالت هذه الحيطانُ التي أدعّمُها دافئةً من ملامسةِ الأجسادِ التي غابت. 18 لم أكن ألقي غير نظرة على وجهي بالذات ، هذا الوجه الملوّح الذي سلبه شكلَهُ بياضُ المرمر ...بيد أنَّ وجهَ غيري قد شغلني أكثر مما شغلني وجهي..فما إن يصبحْ له شأنٌ في حياتي حتى يتوقف الفنُّ عن أن يكونَ ترفًا. 19 كلُّ بؤسٍ وكلُّ قسوةٍ يجب ان يُمنعا بوصفهما إهاناتٍ لا تُحْصى لجسم البشريةِ الجميل. 20 “ أوبرامواس “ الذي كان يألَفُ استرواحَ هواءِ “ آسيا “ كان مرتاحًا ومطمئنًّا إلى هذا الخليطِ من الصمتِ والجَلَبة ، ومن السكونِ وإحضاراتِ الخيولِ المفاجئة ، ولهذا الترفِ الملقى به على الصحراء إلقاءَ سجّادةٍ على الرمل. 21 الوجوهُ التي نستميتُ في البحثِ عنها تُفْلِتُ منَّا. 22 كانت جدرانُ هذا “ المقرِّ الإمبراطوريِّ “ الذي كنتُ قليلًا ما أقيمُ فيه تترنَّحُ وكأنَّها خاصرتا قاربٍ ، وكانتِ الستائرُ المُزَاحةُ للسماحِ بدخولِ الليلِ الروماني ستائرَ قمرٍ في كَوْثَلِ سفينة. 23 خرجتُ إلى سطحِ السفينة ، وكانت السماءُ التي لا تزالُ شديدةَ الدكنةِ هي سماء قصائد “ هوميروس “ الجافة غير المبالية بأفراح الناسِ وأتراحهم.