الروائي القادم حسن حجاب الحازمي.
الأستاذ الدكتور حسن حجاب الحازمي واحد من الأسماء السعودية البارزة التي جمعت بين الإبداع الأدبي، والدرس النقدي، والعمل الإداري، والمشاركة الثقافية. وصنع حضورا واسعا في المشهد الثقافي. ثلاث مسارات رئيسة تؤلف حياته، الإدارة والنقد والإبداع. الجانب الإداري في تجربته يمثل بعدا مهما، لكني سأدع الحديث عنه لمعالي الدكتور محمد آل هيازع فهو خير من خبر الدكتور الحازمي باعتبارعملهما معا لسنوات في جامعة جازان التي حققت في زمنهما حضورا علميا، وأكاديميا متميزا. غير أنه يجدر بي إداريا أن أشير إلى رئاسته لنادي جازان الأدبي التي كشفت جانبا من قدرته الإدارية في المجال الثقافي، حيث شمل ذلك تنظيم الفعاليات، ورعاية الحراك الثقافي، واستقطاب المثقفين، وتنشيط الحوار الأدبي، وربط المؤسسة الثقافية ببيئتها الاجتماعية. وقد تحقق كل ذلك، نظرا لطبيعة شخصيته الثقافية والإنسانية العالية التي جعلت علاقته بالمثقفين علاقة ود، وصداقة، وعمل مشترك. وهنا يقتفي الابن درب والده الفاضل الشيخ حجاب الحازمي أحد الأدباء الرواد في منطقة جازان عبر أعماله في النقد والإبداع والإدارة الثقافية. فالحازمي الأب والابن مثلا حضورا ثقافيا وإبداعيا ومجتمعيا في منطقة جازان وفي سائر الوطن. ولذا، اختارته القيادة ليكون جزءا من المؤسسة (التشريعية) الوطنية، عبر عضويته في مجلس الشورى التي تم تجديدها لدورة ثانية. أما مسار النقد الأدبي فإن الدكتور حسن حجاب الحازمي واحد من الأسماء النقدية السعودية البارزة التي اهتمت بنقد السرد المحلي، لا سيما الرواية. هذا الاهتمام يتجاوز المتابعة إلى محاولة التأصيل، والتحليل، ورصد التحولات. ومن أهم ما قدمه في هذا الباب، كتاب “البطل في الرواية السعودية” (1421)، و”البناء الفني في الرواية السعودية: دراسة نقدية تطبيقية” (1427)، وهما رسالتان علميتان ضمن رحلة الحازمي الأكاديمية. والكتابان يكشفان عن وعي نقدي بأهمية تحويل المنجز السردي السعودي إلى مادة قابلة للفحص المنهجي. وتبدو عنايته بالسرد عناية مزدوجة، تجمع بين الوصف التاريخي والتحليل الفني، وبين الاهتمام بالمضمون والانتباه إلى طرائق البناء والشخصية واللغة. وتبرز قيمة جهده في أنه واكب مرحلة اتساع الرواية السعودية، وتنوع موضوعاتها، فحاول أن يقرأها من داخل شروطها الاجتماعية والفنية، لا بوصفها نصوصا منفردة فحسب، بل بوصفها ظاهرة أدبية، لها تاريخها، وتحولاتها، وأسئلتها الجمالية. يضاف إلى ذلك اتسام كتابته النقدية بالجمع بين الحس الأدبي والخبرة الأكاديمية؛ فهو ناقد مارس الإبداع في القصة القصيرة والشعر، مما منحه قدرة على الاقتراب من النصوص من زاويتين: زاوية الباحث الذي يملك أدوات التحليل، وزاوية المبدع الذي يدرك أسرار التشكيل الفني. ويمثل الإبداع الشعري عند الدكتور حسن حجاب الحازمي جانبا من جوانب تجربته الأدبية المتعددة، من خلال ديوانه “وردة في فم الحزن” (1416)، الذي عكس شاعريته، وامتلاكه حساسية وجدانية، تلتقط ما في التجربة الإنسانية من توتر وانكسار وحنين. ويمكن القول إن شعر الحازمي يشكل رافدا مهما في تكوين صورته بوصفه أديبا شاملا، يجمع بين المعرفة النقدية والموهبة الإبداعية، وبين التأمل الفكري والحس الوجداني. أما الإبداع السردي عند الدكتور حسن حجاب الحازمي فهو الأهم في تجربته الأدبية الإبداعية، لأنه يكشف عن صلة وثيقة بين وعي الناقد، وحساسية القاص. أصدر الحازمي، حتى الآن، أربع مجموعات قصصية “ذاكرة الدقائق الأخيرة” (1413)، و”تلك التفاصيل” (1421)، و”أضغاث أحلام” (1434) و”أمس” (1422). وتبدو تجربته القصصية، مشدودة إلى التفاصيل الإنسانية الصغيرة، وإلى التقاط اللحظات الهامشية التي قد تبدو عابرة في ظاهرها، لكنها تحمل في عمقها دلالات نفسية، واجتماعية، وثقافية. فهو يميل إلى كتابة سردية واعية لا تكتفي بالحكاية المباشرة، بل تسعى إلى بناء موقف شعوري وفكري من المجتمع. وتكشف عن حس مرهف تجاه تحولات الإنسان في بيئته، وعلاقته بالمكان والذاكرة والزمن. في مجموعته الأولى “ذاكرة الدقائق الأخيرة” يتكيء حسن الحازمي في سرده على الراوي العليم بضمير المتكلم، وهذا منحه حرية رسم التفاصيل، والدخول إلى أعماق النفس الإنسانية، والمرأة بشكل خاص. فالراوي العليم لديه يسبر أغوار مشاعر المرأة في الفرح والترح، والصفاء والقلق. والقارئ لهذه المجموعة سيخرج بقناعة أن الحازمي كتب قصصا كثيرة قبلها، لكن دون نشر. فالنضج الكتابي في المعالجة، والسرد، والحوار الداخلي والخارجي، والاسترجاع، الذي تتسم به معظم قصص المجموعة، لا يمكن أن يكون كتابة بدايات، بل إبداع مر بتجارب متعددة، بما فيها من كتابة كثيرة، ومحو أكثر، أوصلته إلى هذا المستوى من النضج الكتابي. وهذا يعكس اهتمام المبدع، وعنايته بفنه، ومنحه اعتبارا واحتراما للمتلقي. من المدهش أن حسن حجاب الحازمي لم ينشر رواية بعد (ولعله كتبها). لديه قدرة أدبية عالية في التقاط التفاصيل على اختلاف مستوياتها، وهذا ما تتسع له الرواية، وتضيق عنه القصة القصيرة. قصة “أصداء ليلة البارحة”، في المجموعة الأولى التي حضرت فيها “ضمد”، مسقط الرأس والنشأة الأولى، رواية اختزلت في صفحات. وحقها أن تتسع زمانا وتجربة وأحداثا. وقصة “الصورة” في مجموعة “تلك التفاصيل”، هي الأخرى تستحق أن تكون عملا روائيا، فهي ذات عناصر مكتملة زمنا وشخصيات وحبكة. تبدأ بصراع الأجيال حول طقس “الختان”، لكن التقاليد تنتصر، وتمضى القصة بإشارات سريعة لمعظم تفاصيل الحدث. وطقس ثري مثل هذا، رغم تناوله من بعض كتاب المنطقة، إلا أنه لازال يستحق المزيد من الأعمال الروائية. والمبدع حسن حجاب الحازمي يملك كل المؤهلات لذلك، “وانتظروا إنا منتظرون”!