الصوت النقديّ المتّزن.
حين نتأمل تجربة الدكتور حسن حجاب الحازمي، فإننا لا نقف أمام ناقد تقليديّ يشتغل على النصوص بوصفها مادة للفحص والتحليل فحسب، بل أمام عقل ثقافيّ يُدرك أن النقد مسؤولية، وأن الكلمة موقف. لقد عرفته قارئاً دقيقاً، لا يستعجل الأحكام، ولا ينقاد إلى الانطباع، بل يذهب إلى النص كما يذهب العارف إلى حقله؛ يحرثه، ويقلّبه، ثم يخرج منه بما يستحق أن يُقال. ولم يكن هذا النهج وليد الصدفة، بل نتيجة تراكمٍ معرفيّ عميق، وتجربة طويلة في قراءة النصوص ومقاربتها من زوايا متعددة، جعلت منه صوتاً مميزاً في الحقل النقدي، ومؤثراً في تشكيل الوعي الأدبي لدى كثير من المهتمين. كان الحازمي، في تقديري، من القلائل الذين جمعوا بين صرامة المنهج ومرونة الرؤية. لم يكن أسير مدرسة نقدية بعينها، بل كان يطوّع المناهج لخدمة النص، لا العكس. ولذلك جاءت قراءاته حيّة، قادرة على ملامسة جوهر العمل الإبداعي، بعيداً عن التكلّف أو الادّعاء. وقد بدا واضحاً في مسيرته أنّه يملك حسّاً نقدياً يرفض السهولة، ويبحث عن العمق، ويُدرك أنّ كل نصٍّ حقيقيٍّ يحتاج إلى قارئٍ حقيقي. كما كان واعياً بتحوّلات النقد الحديث، وقادراً على الإفادة منها دون أن يقع في أسرها، أو أن يكرّر مقولاتها بشكل آليّ يفتقر إلى الروح. وإذا كان بعض النقاد يكتفون بوضع النصوص تحت مجهر التحليل، فإن الحازمي كان يذهب أبعد من ذلك؛ كان يُعيد للنص إنسانيته، ويمنحه فرصةً ليُفهم في سياقه الثقافي والجمالي. لقد كان منحازاً للجودة، لا للأسماء، وللإبداع الحقيقي، لا لما يلمع سريعاً ثم يخبو. وكان في كل ذلك يُمارس دوراً يتجاوز النقد إلى نوع من الحراسة الجمالية التي تحفظ للتجربة الإبداعية توازنها ومعناها، وتمنعها من الانزلاق إلى التبسيط أو الاستسهال. ولم يكن يخشى أن يختلف، إذا ما اقتضى الأمر، مع السائد أو المتداول، ما دام ذلك الاختلاف مؤسساً على رؤيةٍ واضحة وحجة متماسكة. لقد مثّل الحازمي، في تقديري، صوتاً نقدياً متزناً، لا ينجرف مع التيارات، ولا يقف في وجهها بدافع الرفض المجاني، بل يختار موقعه بعناية، مستنداً إلى معرفة راسخة، ووعي بتاريخ الأدب وتحوّلاته. وهو ما جعله يحظى باحترام مختلف الأوساط الثقافية، بوصفه ناقداً يُصغي قبل أن يُحاكم، ويفهم قبل أن يُصنّف. كما أسهم، من خلال حضوره الأكاديمي، في إعداد أجيال من الدارسين الذين حملوا معه هذا الوعي النقدي، واستفادوا من منهجه في قراءة النصوص وتحليلها، حتى غدت بصمته ممتدة في أكثر من مسار، ومؤثرة في أكثر من تجربة. إن الحديث عن حسن الحازمي هو حديث عن قيمة ثقافية أسهمت في ترسيخ الوعي النقدي في المشهد السعودي، وعن تجربة تستحق أن تُقرأ بوصفها جزءاً من طريق أوسع، يسعى إلى بناء ثقافةٍ تُحسن الإصغاء قبل أن تُحسن الكلام. فهو لم يكن مجرد ناقد يكتب، بل مشروع معرفة يتجدد، ويؤكد أن النقد الحقيقي ليس فعلاً تابعاً، بل شريكٌ في صناعة المعنى وتوجيه الذائقة. وسيظل اسمه، في ذاكرة النقد، علامة على ذلك التوازن النادر بين العقل والذائقة، بين المنهج والحرية، وبين الصرامة والإنصاف، بما يجعله واحداً من الأسماء التي أسهمت بصدق في بناء مشهد نقديّ أكثر نضجاً ووعياً، وأقدر على فهم النصوص، والإنصات لتحوّلاتها، والتفاعل الخلاق معها. * عضو مجلس الشورى السابق