أبا حسّان: النور، والعطر، والنقاء.

من أصعب المواقف حين يُطلب منك الكتابة عن شخص يحتاج الحديث عنه الى مفردات غير المكررة، وأوصاف غير السائدة، وتعبيرات غير المعتادة، لأنه فعلاً شخص ينتمي الى عيّنة مختلفةٍ نادرةٍ من الناس، مخلوقة من نور، من نقاء، من عطر. قلوبهم لا تضخ سوى الجمال، وأرواحهم لا تُشع بغير الصفاء والبهاء. هؤلاء يجعلونك تشعر حقاً بمعنى أن تكون في هذه الحياة القلقة مطمئناً الى إنسان دون توجس أو تحفّظ، لأنه نسخة واحدة في كل الأوقات والظروف والحالات، نسخة فاخرة تجسّد الإنسانية بأفخم وأسمى معانيها. هكذا هو وأكثر، الأخ العزيز والصديق النبيل الدكتور حسن بن حجاب الحازمي، منذ عرفته وتعاملت معه على الصعيد الشخصي خلال عُمْرٍ طويل، وأجزم أن كل من عرفه يشاركني ذات الرأي وذات الشعور تجاهه. أما حسن حجاب المثقف الأديب الأكاديمي ، فهو أيضاً حكاية أخرى متفردة. كان طبيعياً ومنطقياً أن يختار هذا الفضاء لدراسته الجامعية لأنه نبتةٌ في بستان علم وأدب أنجبت أفذاذاً عبر حقب التأريخ. لقد تخرج حسن من جامعتين، جامعة رسمية وأخرى عائلية، ثم انطلق في دراساته العليا ليحصد شهادة الدكتوراة ويتدرج الى مرتبة الأستاذية، ويصبح علماً يشار له بالبنان، دون أن تصيب جوهره لوثة النرجسية أو التعالي أو الغرور، رغم إنجازاته المتميزة في الجانب البحثي الأكاديمي والجانب الإبداعي. الدكتور حسن حجاب، الأستاذ الجامعي، محبوب من طلابه ومن زملائه القريبين والبعيدين داخل الوطن وخارجه، يمارس مهنة التدريس والبحث كواجب مقدس، لا كمهمة مُكلّفٌ بها. ولأنه المبدع في الحقل الأكاديمي، وصاحب الخبرة في الإدارة الجامعية، كان مكسباً كبيراً لجامعة جازان وللمجتمع باختياره وكيلاً للجامعة خلال مرحلة تأسيسية مفصلية في مسيرتها، شارك خلالها بوضع سياسات وتوجهات وبرامج وخطط واستراتيجيات تتسق مع فكرة أن تكون الجامعة نوعية ومتميزة. أعطى عصارة فكره وخبرته في تلك المرحلة، وأيضاً استمر خلالها كما هو، الإنسان المكتنز بتواضع جمّ يستمده من أخلاقه وقيمه الأصيلة النبيلة. أعطى ما يمكنه ثم عاد الى شغفه الأساسي كأستاذ جامعي، مبرءّاً ومنزهاً من أزمة مغادرة وهج المنصب لأنه يعرف تماماً أن وهجه الدائم ينبعث من كينونته وذاته. ولكن بما أننا في وطن يقدّر الكفاءات المتميزة، ويستقطبها للمشاركة في العمل الوطني خلال مرحلة تحتاج نخبة العقول في كل مجال، جاء التقدير السامي للدكتور حسن باختياره عضواً في مجلس الشورى الذي يمثل المجلس الاستشاري لتوجهات وقرارات الدولة في كل الشؤون، وبهذا الاختيار الموفق أصبح الدكتور حسن في موقعه المناسب لكل ما يملكه من طاقة فكرية خلّاقة، ووطنية خالصة، وحرص كبير على المشاركة في العمل الوطني المؤثر. شخصياً، أحتاج الى مساحة لا حدود لها لو أردت الاسترسال في الحديث عن أخي الدكتور حسن بن حجاب الحازمي حتى أُنصف خصاله ومناقبه وشمائله التي أكرمه الله بها، وأكرمني أن أكون قريباً منه كي ألمسها في قوله وفعله، وأما إنتاجه الذي أثرى به ساحة الأدب والفكر والثقافة فذلك شأن المتخصصين الذين أجزم أنهم يعتبرونه في صدارة من يشكلّون المشهد، وأن أثره سيظل بارزاً ودائماً كمرجعية للأجيال. دُمت مضيئاً نبيلاً وفاعلاً أخي أبا حسّان.