عَرْعرة المزرعة.
عملت يدُ الفلاح الحانيةُ على تحسين مزرعته الأثيرة. مع الوقت، شطأت شجرة بدتْ فريدةً في فضاء نظره، وأعطاها أول الاعتراف، وأمعنت تنمو وتكبر. راقَهُ جمالُها فتركها تتربّع في المنتصف، فاستولتْ على لبّه مع توالي المواسم، اختال مع منظرها وسط المزرعة، وبدأ يجلس في ظلها، وإن أعاقت الحِراثةَ أحيانًا، ومع هذا، يوشك أن يغيّر اسم المزرعة لأجل هذه العرعرة الجميلة، لكنه اكتفى بالتغني بهما، مزرعةً وشجرةَ عرعر، وقد سمعته امرأته ذات يوم يردد: سأذهب إلى الحبيبتين! لم تحرمها السماءُ خيراتِها، ففي فصلي الشتاء والربيع، تصطاد الماءَ الثمين بأوراقها لتمرّره إلى جذورها، ومع انصباب قطرات الضباب لمدة أشهر متتالية، تتشبّع التربةُ تحتها بالماء الوفير، وهي تنمو على هطْل صافٍ كل عام! استطالت وحيدة وسط الأرض بلا منازع، دخل الغرورُ إلى كلِّ مفاصلها، فنسيتْ أن تمدّ جذورها رأسيًّا، واكتفت بالتمدّد عرضيًّا في التربة الرخوة!، واطمأنّت إلى عنايةِ المُزارِع بها وانصرافه إليها أكثر من غيرها! فتجمّلت بتناسق فريد في قوامها، وتأوّدِ أغصانها مع النسيم العليل، وازدان المكانُ أخضرَ بها، وبمساحة خضراء تحتها بدت كملعب رخوِ التربةِ أكثرَ من اللازم! وراء سور المزرعة، وغير بعيد، كانت عرعرةُ الجبل تشرب الماء، وينزل تَهْطالُ الضبابِ إلى تربتها المتماسكة، فيروي جذورها المتينة، وتكتفي قنوعةً بالقليل منه، فهي ليست وحدها في محجر المزرعة القريب، بل زاحمَتْها عروقُ أشجارٍ جبلية أخرى، وتشابكت فروعُها مع أغضان أخرى بالجوار، لدرجة يمنعها ذلك أن تكون جميلةَ الحال مرنة القوام! عاشت شجرتا العرعر على هذه الحال سنينًا وعقودًا، يلتفت الرجل إلى الوسط، وينسى الأطراف، وكأنه يُهدي التي توسّطت القطعةَ الزراعية أمانًا زائفًا من الأقدار، ما جعلها تظن النوائبَ مسترخيةً في كهوف قصيّة! ذات يوم، وفي تقلّبات الفصول الفاجعة، هبَّت ريحٌ عاتية، أطاحت بشجرة ألِفَت الدلال!