الدكتوراه المؤجلة.. لم يَعُد السريحي موجوداً لكنه رَاهِنْ.
1 يظهر عنوان المقال مفارقة؛ وهي غياب سعيد السريحي الجسدي مقابل حضور قضيته الأخلاقية والفكرية. لا تتعلق الراهنية بالسريحي بوصفه فردا حيا، بل بالحدث الرمزي المرتبط باسمه؛ أعني الإنصاف والعدالة الأكاديمية. فهذان ما يزالان مطروحين وسيظلان كذلك، بوصفهما اختبارا لمدى قدرة المؤسسة الأكاديمية على مراجعة ذاتها، والاعتراف بما قد يكون سهوا، أو ما قد يكون فاتها، أو تجاوزته في لحظة ما. من هذا المنظور لا تبدو عودتنا إلى سيرة السريحي الذاتية مجرد تذكير بمسار فردي لباحث ومثقف ساهم في تطور ثقافتنا، بل محاولة لتتبع تشكل وعيه الذي قاده إلى لحظة الدكتوراة الفارقة؛ حين خسرته جامعة أم القرى خسارة تتجاوز البعد الوظيفي للأستاذ إلى فقدان قيمة معرفية ونقدية يمكنها أن تسهم في تشكيل أجيال من الطلاب على نحو مختلف. فالسريحي لم يكن مجرد ناقل للمعرفة، بل يحمل روحا نقدية قادرة على أن تسائل السائد، وتفتح أفقا واسعا للتفكير، وهو ما تحتاجه الجامعات أكثر من حاجتها إلى التلقين والاستقرار والاطمئنان. إن غيابه عن قاعة الجامعة الدراسية لا يعني غياب أستاذ، بل غياب أسلوب في الرؤية، وطريقة في طرح الأسئلة، وقدرة على تحفيز العقل ليكون مشاركا في المعرفة وليس متلقيا. لا أستطيع أن أقيس الخسارة بما فقده السريحي بقدر ما فقدته الجامعة. فقد أضاعت الفرصة التي ستوفر لها صوتا يوازن بين الانتماء إليها وبين القدرة على نقدها من الداخل. وحين تقصى الجامعة مثل هذه الأصوات، فإنها، من حيث لا تدري، تضيق بأفقها، وتفقد أحد شروط حيويتها، لأن الجامعات لا تتكون من أنظمة ولوائح، بل من العقول التي تحتضنها، وقدرتها على فهم الاختلاف بوصفه قوة وليس تهديدا. لكي نفهم ما حدث سأتتبع ملامح تجربة السريحي منذ بداياتها، مرورا بتحولاته، وصولا إلى اللحظة الذي تبلورت فيها قضية سحب الدكتوراه، بوصفها نتيجة لتراكم طويل من المواقف والرؤى، وليست حادثة معزولة يمكن فصلها عن سياقها. سأتوقف أولا عند صراع السريحي مع الأقواس، ثم أعود إلى العدالة الثقافية. مبدئيا لم يكن صراع سعيد السريحي مع الأقواس؛ صراعا أدبيا، بل تجاوز ذلك ليشير إلى توتر بين رغبة كتاب في الكتابة الحديثة وبين رغبة آخرين في الكتابة التقليدية. فأقواس السريحي ليست علامة من علامات الترقيم بل حولها إلى مجاز لوعي لا يطمئن، ويشعر بما ينبغي إضافته أو تصحيحه أو التشكيك فيه. عبّر هذا المجاز في ساحة الثمانينات والتسعينات الأدبية المحلية عن شد وجذب بين أدباء ونقاد يريدون أن يكتبوا بين الأقواس، وبين مبدعين ونقاد آخرين يريدون تفكيك الأقواس، ويعيدون توجيه المعنى خارج الأقواس. وعلى النظير لهذا الخارج هناك سد وجذب داخل المبدع؛ الأمر الذي يجعله يعيش حالة انقسام داخلي بين أن يتدفق خارج الأقواس وبين أن يتحرز بها وينكفئ في المساحة المطمئنة بين الأقواس. مازال هذا الشد والجذب سائدا في ساحتنا الأدبية والفكرية. ويمكن فهم تحولات البعض بوصفها استجابات مختلفة لهذا التوتر؛ فقد بدت عودة الغذامي إلى موقع أكثر محافظة كما لو أنها نوع من الاحتماء بالأقواس بعد تجربة محترمة في تفكيكها، بينما ظل البازعي مقيما كما هو في منطقة غير واضحة، فلم ينخرط كليا خارج الأقواس، ولم يستقر نهائيا داخلها، قابعا في هذه المساحة الرمادية. واختار آخرون كمعجب الزهراني مثلا شكلا من أشكال الانسحاب، وكأن الرهان على تفكيك الأقواس لم يعد مغريا أو ممكنا. لكن الخسارة الأعمق لا تكمن في هذه التحولات الفردية بقدر ما تكمن في ما آل إليه الجيل الذي تتلمذ على أيدي هؤلاء، فبدل أن يواصل هذا الجيل مشروع الخروج من الأقواس تأثر وإن لم يشعر بدرجة أكبر بخطابات المحافظين أكثر من خطابات أساتذته، فتراجع عن أفق الانفتاح الذي بشر به أساتذته كما لو أن الصراع لم يحسم آنذاك، بل يعيد إنتاج ذاته، لكن في شكل أكثر تعقيدا وأشد التباسا. إن من المثير للدهشة هو لغة هذا الجيل الإبداعية والنقدية، وإن شئت اقرأ كتابا من كتبه، ستجده لم يغلق الأقواس فقط، بل أضاف أقواسا أخرى داخل تلك الأقواس. أما ما يثير الأسى فهو أنك ستجد هذا الكتاب يقف على الضد من كل قيم العصر الحديث الفكرية والإبداعية. العصر الذي لم يعد يرى أن بالإمكان أصلا الكتابة بيقين واطمئنان وراحة بال، بل أصبحت الكتابة محاطة بأقواس مختلفة عن الأقواس نعرفها؛ أقواس أخرى من الشك والتأويل والتردد والقلق، الأمر الذي يجعل من الكتابة ذاتها فعل مقاومة ضد الاطمئنان واليقين، ومحاولة دائمة للإمساك بمعنى يتفلت منا كلما ظننا أننا أمسكنا به. 2 .ذات مرة قال الفيلسوف الألماني ثيودور أدرنو “ الخالي من الخبث لا يمكن أن ينعم بالحياة الهادئة”. والمفارقة التي تعبر عنها عبارة أدورنو تجد تجليها في سيرة سعيد السريحي. فالسريحي الباحث والمثقف الذي حافظ على براءته الأخلاقية عانى أكثر من غيره، لأنه اصطدم بواقع ثقافي لا ينسجم مع قيمه. وهذا ما قاده (ربما) إلى سؤال هو: كيف يمكن للمثقف أن يبقى أخلاقيا في ساحة في الغالب غير أخلاقية؟ ولا أبالغ لو قلت إن القارئ قد يخرج بنتيجة هي أن القيم قد تضعف المثقف بدل أن تحميه. منذ بداية السيرة يستحضر السريحي الشيخ السريحي الطفل. ويمكن أن يكون هذا الاستحضار مدخلا لفهم نظرة السريحي إلى ذاته وإلى العالم. فحين يعود إلى الطفل الذي كانه، فهو لا يستدعي مرحلة عمرية فقط، بل يستحضر الوعي القائم على براءة الطفل، ودهشته وثقته المطلقة في عدالة الحياة. فالسريحي الطفل ليس نقيضا للسريحي الهرم، بل جذره، وصوته الذي استمر حيا رغم تراكم التجارب وخيباتها. يبدو السريحي في هذا الاستحضار كما لو أنه يقول للقارئ بإن حياته لا يمكن فهمها بوصفها مسارا عقلانيا فقط، بل بوصفها حكاية وعي مشدودة إلى قيمه الأولى. قد يرمز الطفل إلى التوق للمعنى النقي. وقد يرمز إلى الرغبة في أن يكون العالم قابلا للفهم لاسيما العلاقة بين الجهد الفردي وبين النتيجة. لكن حين كبر الطفل تحولت توقعاته إلى مصدر لتوتره؛ لأن العالم لم يستجب لبراءة الطفولة، بل كشف عن تناقضاتها، وهو ما وضع السريحي العجوز أمام خيبة لم تمح الطفل فيه، بل جعلته أكثر حضورا. أستطيع أن أقول أن صورة سعيد السريحي في سيرته صورة مركبة؛ الأولى صورة رجل ناضج في التجربة، والثانية صورة طفل تشبع بقيم معينة. وحين يركب هذه الصورة فإن الصورة ليست حنينا إلى الماضي، بل هي تشبث أخلاقي بنقطة بداية يرى أنها الأصدق، حتى وإن تحولت إلى أكبر صور الخذلان. المثال الذي يمكن أن يضيء هذه الفكرة هو سحب درجة الدكتوراه. وهذا السحب لا يمكن فهمه على أنه إجراء إداري أو قانوني. وما يمكن أن نفهمه هو وضوح دلالته على الصراع بين المثقف وبين قيم الحقل الثقافي الذي يتحرك داخله. فالسريحي بوصفه باحثا مثقفا ظل وفيا لبراءته الأخلاقية، ولم يتعامل مع المجال الثقافي بمنطق الحذر أو المراوغة، بل انخرط فيه بقدر من الثقة في إمكان العدالة والاعتراف. لم يكن قرار سحب درجته العلمية قرارا معزولا عن سياقات ثقافية أوسع. فالقرار يكشف عن هشاشة التوازن بين المعرفة والسلطة، وعن الفرق بين الجهد الفردي والمؤسسة الأكاديمية التي تعيد تأويل الجهد الفردي في ضوء اعتبارات لا تتطابق مع معايير النزاهة الأكاديمية المفترض وجودها في الجامعة. من هذه الزاوية يظهر موقع المثقف الهش، لأن السريحي توقع من الجامعة ما لم تلتزم به، ومنحها ثقة قد لا تكون في محلها. لذلك فالبراءة التي تشبث بها السريحي؛ أعني استحضاره لصورة الطفل، ليست سذاجة بقدر ما هي موقف أخلاقي يرى في المعرفة قيمة بذاتها، وليست أداة لصراعات النفوذ والاعتراف. حين توجد هذه البراءة في سياق أكاديمي أو ثقافي متوتر، تتحول إلى مصدر معاناة لصاحبها. فالمثقف الذي يتوقع العدل بوصفه نتيجة طبيعية لجهده ومعرفته، يجد نفسه أمام واقع تتداخل فيه الاعتبارات الشخصية والمؤسسية، ما يفضي إلى خيبة أمل عميقة، لا لأنها مفاجئة، بل لأنها كسرت توقعه الأخلاقي. وهنا يولد القلق الوجودي الذي أشرت إليه أعلاه وهو كيف يمكن للمثقف أن يحافظ على أخلاقيته في ساحة لا تكافئ الأخلاق بالضرورة؟ وهل يصبح التمسك بالقيم نوعا من التعرض الطوعي للأذى؟ يمكن قراءة سحب الدكتوراه، بوصفه حدثا رمزيا بقدر ما هو حدث واقعي. فقد كشف أن القيم في إطارها المثالي، قد لا تحمي صاحبها، بل قد تجعله أكثر عرضة للخيبات. لذلك فإن إدراك المثقف الواقع، بما فيه من تناقضات، هو شرط للبقاء من دون أن يفقد ذاته. أما الأهم فهو أن السريحي لا يمثل فقط مثقفا تعرض لقرار غير مسبوق محليا؛ بل يجسد سؤالا عن معنى النزاهة في عالم لا يضمن لها التحقق، وعن الكلفة التي يدفعها من يرى العالم ببراءة حتى وهو يعرف أنه لم يعد كذلك. 3 بدأ صراع سعيد السريحي مع الأقواس عام 1984 بكتابه (الكتابة خارج الأقواس). وهذا العنوان ينسجم مع الروح النقدية التي عُرف بها السريحي فيما بعد. فالأقواس تشير إلى الاحتواء والتقييد، وإلى ما يُقال على الهامش أو إلى ما يُدرج بوصفه تعليقا وليس متنا. في المقابل توحي الكتابة خارج الأقواس برغبة في استعادة الصوت من الهامش إلى المتن، ومن الأطراف إلى المركز. علاوة على ذلك يوحي العنوان بتحرير المعنى من التبعية نحو الاستقلال. وكتابة كهذه لا تقبل أن تكون شرحا أو تهميشا، بل تسعى لأن تكون أصلا قائما بذاته. إنه دعوة إلى كسر النمط، والخروج عما هو محدد مسبقا في اللغة والفكر والتعبير. يوحي العنوان بالتمرد، لكن ليس بالمعنى الصاخب، بل بالمعنى الثقافي والمعرفي؛ أعني التمرد على القوالب الجاهزة، وعلى التفسيرات الموروثة بوصفها حقائق نهائية. فالخروج من الأقواس هو خروج من المسلمات الأدبية، ومن الاطمئنان السهل، ومما تعودته أذهاننا إلى قلق الأسئلة المفتوحة. لا يخلو العنوان من بعد إبداعي؛ فهو يلمح إلى كتابة تنحاز إلى التجريب، وإلى تجاوز الحدود بين الأنواع. كتابة تتنفس خارج القيود الشكلية، وتعيد تشكيل علاقتها باللغة باعتبارها فضاء لا نهائيا للمعنى؛ ونستطيع القول إن عنوان كتاب السريحي يتضمن رؤية، وهي أن الكتابة الحقيقية لا تُولد داخل الأقواس، بل تولد في المساحة التي تجرؤ فيها على الانفلات من الأقواس، وإعادة تعريف ما يُقال، وكيف يُقال. من جهة أخرى يكشف العنوان توترا بين خطاب يسعى إلى تفكيك الأقواس، وخطاب يسعى إلى تثبيتها وضبطها ويمكن أن يكون ما جرى في مناقشة أطروحته للدكتوراه ما يشير إلى ذلك. سأله أحد المناقشين: •إيش تقصد بالكتابة خارج الأقواس؟ رد السريحي •ما دخل هذا السؤال في الرسالة التي قدمتها للجامعة؟ قال المناقش •مجرد سؤال. لا يمكن أن نفهم سؤال المناقش بوصفه سؤالا بريئا لاسيما إذا وضعناه في سياق موقف المعارض للحداثة. حين يسأل المناقش عن الكتابة خارج الأقواس، ففي الظاهر يطلب توضيحا، لكنه يمارس نوعا من المساءلة النقدية التي تحمل شبهة الاتهام؛ أي أن المناقش لا يسأل ليعرف، بل ليختبر. حاول المناقش أن يجر السريحي إلى داخل أقواسه التي يؤمن بها. فإذا لم يشرح السريحي عنوانه، بدا وكأنه عنوان يخفي شيئا لا يستطيع السريحي توضيحه. وإذا ما شرح ما يقصده من العنوان فقد يفقد السريحي العنوان روح العنوان التي تستند إلى الانفلات من التحديد والتعيين. يكمن فخ السؤال في أن المناقش في ضوء موقفه من الحداثة ربما رأى في عبارة كالكتابة خارج الأقواس دعوة إلى القطيعة مع التراث. لذلك فسؤاله يحمل نبرة تشكيك: ماذا تقصد تحديدا؟ هل هذا مفهوم نقدي يمكنك الدفاع عنه، أم أنه مجرد شعار بلاغي؟ كما لو أن المناقش يقول ما مفاده تخضع العناوين لقواعد محددة، الخروج عنها يحتاج إلى تبرير. لذلك فهو لا يناقش العنوان، بل يناقش مشروعية وجوده. لم يكن رد السريحي اعتباطيا؛ بل ينم عن فهم بطبيعة السؤال ومقصده. فقد أدرك أن الإجابة المباشرة قد تضعه داخل لعبة لا تخدم فكرته، فاختار أن يزيح السؤال نفسه. لم يتهرب السريحي من الإجابة بقدر ما أراد توجيه النقاش كما لو أنه يضع خطا فاصلا بين نوعين من المعرفة، هما المعرفة المؤسسية المقوسة والمعرفة الحرة التي تنتمي إلى فضاء خارج الأقواس. بمعنى ما رفض السريحي الإجابة هو رفض لتحويل العنوان إلى تعريف يُستهلك. فالكتابة خارج الأقواس تفقد معناها إن تحولت إلى صيغ قابلة للتلقين والحفظ. الكتابة خارج الأقواس تجربة تُمارس، وليست عبارة تُشرح. وحين يرد المناقش بمجرد سؤال فهو رد يؤكد التوتر بين فضول يريد إجابة بين قوسين، وبين فكر يرفض اختزال المعرفة إلى ما بين القوسين. يمكن أن تحسن فهمنا لدلالة هذا العنوان لو استحضرنا بداية سعيد السريحي التراثية. فقد انشغل منذ مراحل مبكرة من حياته بالأدب القديم، قراءة وتأملا. ومن رافق السريحي أو جالسه يعرف أنه أقرب لموسوعة نصوص قديمة لاسيما الشعر. في البداية كان هذا الانشغال ضمن أطر معرفية تقليدية تُحيل الأدب إلى سياقه، وتضعه داخل أقواس الشرح والتفسير والانتماء التاريخي، وهذا ما يجعل الكتابة أقرب إلى التعامل مع المتن بوصفه معطى ثابتا، يحتاج إلى إضاءة من خارجه، وليس إلى المساءلة من داخله. مهد الاشتغال بالأدب القديم لفكرة سعيد السريحي عن فتح الأقواس. فليس من الضروري أن يؤدي التعمق في التراث إلى الانغلاق؛ فقد يكشف التعمق عن محدودية القراءات القديمة، وعن الحاجة إلى تجاوزها بوصفها سلطة تفسيرية وتأويلية نهائية. ومن هذه الزاوية يمكن القول إن السريحي لم يغادر التراث بقدر ما أعاد النظر في طريقة الاقتراب منه؛ فانتقل من القراءة داخل الأقواس إلى الكتابة خارجها. لا يعني تفكيك الأقواس إلغاء التراث، بل يعني تحرير العلاقة معه. أي الانتقال من موقع التابع الذي يشرح ويُعيد الإنتاج، إلى موقع الفاعل الذي يحاور ويختلف ويعيد التأويل. فالأقواس تحولت من إطار يحدد المعنى إلى موضوع للنقد، ومن علامة على الحدود إلى رمز للقيود التي ينبغي تفكيكها. لقد غدت بدايات السريحي التراثية ضرورة لهذا التحول؛ إذ لا يمكن إدراك الخروج من الأقواس من دون معرفة بما هو داخلها. ولذلك، فإن مشروع السريحي يكشف عن مسار يتدرج من الامتثال إلى المساءلة، ومن الاحتواء إلى الانفتاح، عندئذ تصبح الكتابة فعل تجاوز مستمر، لا مجرد إعادة ترتيب لما هو قائم. 4 لنقرأ ما كتبه السريحي “ بت أرى الكتب خواء ما لم أشعر بها تحديا لكل ما قرأته قبلها، هدما لما سبقها، زلزالا معرفيا، ينقض فيه كل كتاب ما أبرمه الكتاب الذي قبله” ( ص 115). تظهر هذه العبارة تصورا للقراءة؛ لنقل القراءة بوصفها فعلا صداميا وليست فعلا تراكميا. لم يكتف سعيد السريحي باستقبال معرفة الكتب، بل بحث عن لحظة الانقلاب التي يعيد فيها ترتيب ما استقر في عقله. حين يقول السريحي إن الكتب تبدو (خواء) ما لم تكن تحديا، فهو ينفي القيمة عن القراءة المطمئنة التي تؤكد القناعات السابقة، ويمنح القراءة قيمة معرفية حين تُحدث قلقا معرفيا يزعزع اليقين. يريد السريحي أن تتحول القراءة من استهلاك إلى ممارسة نقدية تتطلب شجاعة فكرية، واستعدادا لإعادة النظر في كل ما قرأه من قبل. تكشف العبارة عن موقف السريحي من المعرفة. فالمعرفة غير ثابتة، بل تتشكل باستمرار. فكل كتاب، وفق تصور السريحي لا يُكتب لكي يكمل الكتب التي قبله، بل لينقضها كما لو أن المعرفة هدم وبناء متعاقبين. هذا الفهم يتعارض مع التصور التقليدي الذي يرى في الكتب تراكما يقود إلى الحقيقة، ليحل السريحي محل هذا التصور تصور آخر يرى الحقيقة مؤقتة وقابلة للمراجعة. لذلك فالزلزال المعرفي الذي يتحدث عنه ليس مبالغة بل تعبيرا عن وعيه كقارئ حين أدرك هشاشة ما كان يظنه يقينا. تشجع عبارة السريحي القارئ الإيجابي ولا تشجع القارئ السلبي. فالتحدي عند السريحي لا يكمن فقط في طبيعة الكتاب، بل في استعداد القارئ للدخول في صراع مع المكتوب. قد يكون الكتاب ثريا ومثيرا، لكنه يظل خواء في نظر نوع من القراء كسعيد السريحي. وهنا تظهر القراءة بوصفها علاقة جدلية بين الكتاب والقارئ، فالمعنى لا يكتمل إلا عبر هذا الاحتكاك الذي قد يكون مؤلما بقدر ما هو مثمر. تكمن أهمية عبارة السريحي في أنها تعيد تعريف معنى القراءة الجادة. وتحرر القراءة من كونها مجرد جمع للمعلومات وتكديسها لتصبح مغامرة فكرية قائمة على القلق والسؤال. إنها دعوة سعيد السريحي ووصيته بألا نقرأ لنطمئن، بل لنقلق؛ لا لنؤكد ما نعرفه، بل لنشك أو لنكتشف كم نحن جاهلون. لنقرأ مرة أخرى هذا الحوار: قلت للطفي عبدالبديع ونحن نغادر قاعة الدرس: •دكتور أنا في مشكلة. •إزاي؟ •أنت تهدّ كل اللي تعلمته. •كويّس. •كويس؟ طيب وبعد ما أخسر كل اللي تعبت سنين حتى تعلمته؟ يكثف هذا الحوار لحظة إنسانية بين معلم ومتعلم، ويختزلها في الصراع بين نوعين من التعلم: أولهما التعلم بوصفه تراكما، وثانيهما التعلم بوصفه تفكيكا. يعترف السريحي (أنا في مشكلة) وهو اعتراف لا يتعلق بعجز عن الفهم، بل عن فهم جديد أحدث اضطرابا داخليا. مشكلة السريحي ليست الجهل، بل انهيار ما كان يظن أنه معرفة راسخة. ثم يوضح سبب قلقه (أنت تهدّ كل اللي تعلمته) ليعبر عن صدمة معرفية حقيقية؛ فهو يشعر أن سنوات من الجهد أصبحت مهددة، كما لو أنها قائمة على أساس هش. يأتي رد الأستاذ صادما (كويّس) فالسياق التعليمي التقليدي يفترض أن يكون دور الأستاذ تثبيت معرفة الطالب وتعزيزها، وليس هدمها. لكنه رد يكشف عن رؤية مختلفة لوظيفة التعليم. فالهدم تعليميا ليس غاية في ذاته، بل هو شرط لإعادة البناء على أسس أكثر صلابة. أشبه بعملية تنقية تخلص المعرفة من التصورات السطحية أو الخاطئة لإفساح المجال أمام فهم أعمق. لذلك فكلمة (كويس) لا تعني الاستهانة بمعاناة السريحي، بل تعني أن ما يحدث هو بالضبط ما ينبغي أن يحدث في أي تجربة تعلم حقيقية.يتضمن سؤال السريحي (طيب وبعد ما أخسر كل اللي تعبت سنين حتى تعلمته؟) قلقا وجوديا بسبب ظهور بعدين هما البعدان الزمني والنفسي للتعلم؛ فالمعرفة ليست مجرد معلومات، بل استثمارا طويلا للجهد. يشعر السريحي أن فقدان معرفة يعرفها هو فقدان لجزء من ذاته، لكنه يطرح إشكالية مهمة: هل التعلم الحقيقي يقتضي دائما هذا النوع من الخسارة؟ أم أن هناك طرقا أقل قسوة لإعادة تشكيل المعرفة؟ يمكن فهم قلق السريحي الوجودي فيما لو قارنا بين تصورين: الأول يرى المعرفة ملكية شخصية، ومعلومات تجمع وتُحفظ، والثاني تصور يرى المعرفة عملية مستمرة من المراجعة والتصحيح. في هذا السياق؛ فما يبدو خسارة بالنسبة للتصور الأول، هو في الحقيقة تحرر من أوهام سابقة في التصور الثاني. فالسريحي لن يفقد ما تعلمه بشكل كامل، بل سيعيد تأويله واضعا إياه في سياق جديد، أو يكتشف حدوده. وهكذا فالسنوات الضائعة تتحول إلى أساس ضروري للوصول إلى فهم أكثر نضجا. ما الذي خرج به السريحي من هذا الحوار؟ ما الذي حدث للسريحي بعد أن لم يجبه لطفي عبدالبديع؟ يتابع السريحي قائلا “ تركني يومها على ركام من المعرفة، وعشت سنوات معه كي أتعلم كيف أعيد بناء تلك الأنقاض، أحمل حجارتها حجرا حجرا، وحين يدركني الإعياء أسقط أرضا وأفيق ويد تمسح عن جبيني العرق والدم والغبار، ولم يستوقفني في حركة الحداثة حين اتصلت بها غير ما وجدته فيها من نقض لكل مبروم من سبل القول وآليات إنتاج المعاني، ما وجدته فيها من غضب على كل ما هو مؤسس ومستقر من طرائق التفكير، ورغبة عارمة في قول ما لا يقال، وكتابة ما لم يكتب من قبل ( ص 116). ما خرج به السريحي بعد حواره مع لطفي عبدالبديع تجربة وجودية تشكلت عبر الزمن. فصمت الأستاذ لم يكن فراغا، بل بداية مسار سعيد السريحي الشاق من التعلم الذاتي. وهو مسار تُترك فيه الأسئلة بلا إجابة لتدفع صاحبها إلى البحث. وتجسد عبارة (تركَني على ركام من المعرفة) لحظة انهيار كاملة، لكنها في الوقت ذاته تكشف أن هذا الانهيار لم يكن النهاية، بل الولادة الأولية لما هو جديد. فالمعرفة لم تختف، بل تحولت إلى أنقاض قابلة لإعادة التشكيل، وهذا التحول هو جوهر ما تعلمه سعيد السريحي. لم تكن إعادة البناء التي يتحدث عنها السريحي سهلة أو سريعة؛ بل كانت عملية مضنية، أشبه بعمل يدوي بطيء (أحمل حجارتها..). وهذه العبارة تشير إلى أن المعرفة الحقيقية ليست جاهزة، بل يكتسبها الفرد بالجهد الذي يتخلله التعب والسقوط. هناك لحظات من الإعياء والسقوط لكنها ليست لحظات فشل، بل هي جزء من عملية التعلم. أما اليد التي تمسح عن الجبين العرق والدم والغبار، فهي توحي بأن صمت المعلم لم يكن غيابا؛ بل حضور بشكل غير مباشر، يوجّه من دون أن يلقّن، ويرعى دون أن يفرض. 5 مهدت تجربة سعيد السريحي مع الأدب القديم نفسيا وفكريا لتقبل الحداثة. لم يجد في هذه التجربة مجرد قراءة عابرة للأدب القديم، بل وجد لها صدى في رغبته في التجاوز. لذلك فحداثة السريحي لم تكن اختيارا نظريا بقدر ما كانت امتدادا لتجربته في إعادة بناء معرفته. فقد استوقفه فيها (نقض كل مبروم) ورفض (طرائق التفكير المستقرة) لأن نقض المبروم، ورفض المطمئن ينسجمان مع ما بدأه. في هذه الأثناء كان يعرف أن مفهوم الحداثة إذا ما وضع بين أيدي المحافظين فلن يروا في الحداثة التنوع والاختلاف، بل سيحولونها إلى أداة للتحيز. وفي هذه الحالة سيتحول مفهوم الحداثة إلى مفهوم أشد خطورة، ليس فقط من قبل خصوم الحداثة، بل كذلك من آخرين يقيمون في منطقة رمادية. يكتب في سيرته” لا يمكن للبدوي أن يكون حداثيا. هكذا قال لي بكر باقادر، ونحن نصعد درج النادي (نادي جدة الأدبي). وحين رأى في عيني نظرة إنكار قال كمن يبرر ما يراه: •البدوي متشبث برأيه، لا يعرف التسامح، ولا يؤمن بتعدد الآراء. أنت لا تعرف البدو. رد سعيد السريحي. بالفعل. وقد كان بإمكانه أن يضيف أن رأي باقادر يستند إلى تعميم غريب يربط بين البدوي وبين صفات ذهنية وسلوكية كالتشبث بالرأي، ورفض التعدد، وضعف التسامح. وهذا الربط يثير إشكالات منهجية ومعرفية تستحق النقد، لاسيما إذا ما قورن بمواقف أكثر انفتاحا كموقف لطفي عبدالبديع الذي يرى أن الثقافة البدوية أو الحضرية ثقافة متحولة وليست جوهرا ثابتا. عامل باقادر البدو من حيث هم جماعة متجانسة وثابتة، متجاهلا التنوع الكبير داخل المجتمعات البدوية نفسها، متجاهلا أن علم الاجتماع يؤكد أن السلوك الاجتماعي نتاج تفاعل معقد، وليس مجرد انعكاس آلي لأصل ثقافي أو نمط معيشة. وبالتالي فإن ربطه الحداثة أو نفيها بنمط معين هو اختزال وتبسيط مخل. افترض باقادر حتمية ثقافية مفادها أن القيم البدوية تقف على النقيض من قيم الحداثة. بينما تظهر الدراسات الحديثة في علم الاجتماع الثقافي أن الثقافات ليست مغلقة، بل قادرة على التكيف. فالحداثة ليست قالبا واحدا، بل مسارات متعددة، ويمكن أن تتجلى بطرق مختلفة داخل بيئات بدوية أو ريفية أو حضرية. كما أن باقادر خلط بين نمط العيش والقيم المعرفية. فالبداوة من حيث هي نمط اقتصادي واجتماعي لا تستلزم بالضرورة موقفا معرفيا يرفض التعدد؛ مما يجعله حكمه حكما معياريا وليس استنتاجا علميا. أستطيع القول من منظور نقدي إن رأي بكر باقادر يعكس تحيزا ثقافيا حضريا أكثر مما يعكس تحليلا علميا محايدا. فبدلًا من أن يدرس باقادر الشروط الاجتماعية التي تعوق الانفتاح أو تعززه كالتعليم، والاقتصاد، والبنية السياسية؛ فهو يسقط صفات سلبية على فئة اجتماعية كاملة. وهذا يتعارض مع أبسط قواعد البحث الاجتماعي الذي يفترض الدقة، والتفريق، وتجنب التعميمات القاطعة. ثم إن الحكم بعدم قابلية البدوي للحداثة ليس فقط تعميما غير دقيق، بل يبدو لي أنه يتناقض مع روح علم الاجتماع. مقابل بكر باقادر امتلك أستاذ السريحي لطفي عبدالبديع رؤية أكثر ديناميكية للهوية الثقافية، فلم يفهم البداوة بوصفها قيدا، بل فهمها من حيث هي أحد المكونات الممكنة لهوية قابلة للتغير. هذا الموقف لا يتسق مع الأدب فقط، بل يتسق مع اتجاهات معاصرة في علم الاجتماع ترى أن الحداثة ليست نقيضا للتقاليد، بل قد تنبثق من داخل التقاليد عبر عمليات التكيف وإعادة تأويل وتكيّف. 6 بعد أكثر ربع قرن تقريبا من صدور كتاب (الكتابة خارج الأقواس) سيكتب السريحي سيرته الذاتية (الحياة خارج الأقواس)، وهذا العنوان ليس مجرد اختيار بلاغي، بل هو امتداد طبيعي لمسار فكري ونقدي تشكل عبر السنوات. فسعيد السريحي الذي بدأ من داخل التراث، قارئا ضمن أطره، هو نفسه الذي انتهى إلى مساءلة تلك الأطر، لا في الأدب فحسب، بل في الحياة ذاتها. فالعنوان (حياة خارج الأقواس) يضاعف دلالة عنوانه الأول (الكتابة خارج الأقواس) إذ لم تعد الأقواس تحيط بالأدب فقط، بل وتحيط بالحياة. يعلن عنوان سيرة السريحي أن ما كان مشروعا نقديا في الكتابة، أصبح موقفا وجوديا. فالخروج من الأقواس لم يعد مجرد تحرر من سلطة الأدب القديم وتفسيراته، بل تحررا من القوالب التي تُفرض على الفرد في رؤيته لنفسه وللعالم من حوله. وقد تداخلت في هذا التحول التجربة الشخصية مع الرؤية الفكرية. بهذا العنوان لن تكتفي سيرة السريحي بسرد الوقائع، بل تعيد صياغتها خارج الأطر الجاهزة (خارج الأقواس) أي خارج التنميط، وبعيدا عن التبرير، ومن دون الحاجة إلى تقديم الذات وفق نموذج مقبول. ومن قرأها سيجد أنها سيرة ترى الحياة ذاتها كتابة مفتوحة، وليست هامشا لسرديات كبرى. يمكن قراءة العنوان (الحياة خارج الأقواس) بوصفه ذروة رمزية لمشروع سعيد السريحي النقدي؛ فقد أكمل السريحي الانتقال من التعامل مع الأقواس كأداة قراءة، إلى تفكيك الأقواس بعد أن طوّقت الأدب والحياة معا. وكأن السريحي يقول إن التحرر الحقيقي لا يتحقق في اللغة وحدها، بل في طريقة عيشها كذلك. تبلغ ذروة السريحي الكتابية حين يضيف إلى عنوان سيرته الرئيس عنوانا فرعيا هو (سيرة غير ذاتية للمدعو سعيد) وكأن السريحي بعد أن كتب (الحياة خارج الأقواس) لم يعد يكتفي بكسر الإطار، بل شرع في التشكيك في مركزه هو ذاته؛ أي من هو (سعيد) هذا الذي تُروى حكايته؟ وكما يبدو لي فهذا العنوان الفرعي يفتح التباسا مقصودا؛ فالسيرة تفترض التطابق بين الكاتب والذات المكتوبة، بينما تنفي عبارة (غير ذاتية) هذا التطابق، وإن لم تنفيه فعلى الأقل تزعزعه. أما عبارة (المدعو سعيد) فتشير إلى أن اسمه هو نفسه لم يعد يقينا، بل مجرد علامة قابلة ليفتك منه؛ لتتحول الذات من مركز إلى كتابة يُعاد تشكيلها. حرر عنوان السريحي الفرعي الأنا من وهم التطابق مع نفسها. لم تعد السيرة استعادة، بل بناء سرديا يحتمل التخييل، والمساءلة، وإعادة الترتيب. سيرة تنظر إلى الذات كما لو أنها آخر، وتعيد سردها من خارجها. وبهذا تغدو حياة السريحي كمشروعه النقدي سلسلة من الانزياحات: من التراث إلى نقده، من النص إلى الحياة، ومن الذات إلى تفكيكها. وكأن الكتابة ليست تثبيتا للهوية، بل كشفا عن هشاشتها، واحتمالاتها. 7 قالت لي زوجتي – يكتب السريحي- وهي تتابع ذلك الوسم (تويتر) الذي يطالب بإعادة الدرجة لي: •طالب بحقك في الدرجة العلمية التي سحبوها منك، فقد تغيرت الأحوال. •أنت تعرفين أني لم أكن حريصا عليها وأنا أهيء أوراق العمل، فهل يليق بي أن أحرص عليها وأنا ألملم أوراق العمر. دعيها يا عائشة عارا لا يبرؤون منه ما عاشوا، وإذا ماتوا طاردهم في قبورهم. – ولكنها شهادتك. •بل شهادتهم، وليست شهادة أعتز بها. تلك الشهادة التي لم أعد احترم من يمنحها لي. يمكن أن يوجه هذا الحوار نحو اللحظة الحاضرة. فموت سعيد السريحي لا يمنع من تجاوز الاعتبارات الإجرائية والإدارية للوصول إلى جوهر المعنى الأخلاقي للمعرفة. فإعادة درجة الدكتوراه إلى سعيد السريحي بعد وفاته ستتحول إلى فعل رمزي عميق الدلالة، لا يقتصر على الإنصاف، بل يمتد إلى علاقة الجامعة بالحقيقة. فالسريحي استمر في المشهد الثقافي بوعيه النقدي ووفائه لقيمه، ولم يكن مجرد باحث ومثقف يسعى إلى لقب أكاديمي، بل مثل نموذجا للمثقف الذي يرى في المعرفة التزاما أخلاقيا قبل أن تكون امتيازا. في حياة السريحي لم يكن سحب درجته العلمية حدثا عابرا، بل جرحا في جسد العدالة الأكاديمية، وهو جرح سيظل حتى بعد غيابه. وإعادة الدرجة إليه ليست مجرد تصحيح إداري، بل اعتراف متأخر بأن الحقيقة قد تتعثر، لكنها لا تختفي، وأن المؤسسة الجامعية تقبل المراجعة حين تواجه سؤال الضمير. يعيد هذا القرار في حالة صدوره ترتيب العلاقة بين الذاكرة والمؤسستين العلمية والثقافية، ويمنح الأجيال الحاضرة درسا في أن الخطأ، مهما طال، يمكن مراجعته، وأن الاعتراف بالحقيقة لا يسقط بالتقادم. فإعادة الدكتوراه للسريحي لن يعيده إلى الحياة، لكنها ستعيد الاعتبار إلى فكرة مفادها أن المثقف، حتى حين يُقصى أو يُساء فهمه، يظل جزءا من الضمير الحي الذي لا يمكن إسكاته إلى الأبد. لن تبدو إعادة درجة الدكتوراه إلى سعيد السريحي مجرد إنصاف فردي متأخر، بل يمكن أن تكون إشارة رمزية إلى طي صفحة كاملة من تاريخنا ثقافي، ارتبطت بما يُعرف بـمرحلة الصحوة. إعادة الدكتوراه للسريحي ليست فقط إعادة حق لاسيما أن الأطروحة نوقشت واجتازت المناقشة، بل إعادة تموضع في الوعي الثقافي، بحيث يُعاد الاعتبار لقيم النقد والانفتاح التي تراجعت في ظل هيمنة الخطاب المحافظ. قد لا تُعاد درجة الدكتوراه لأسباب متعددة، بعضها شخصي يتعلق بالحرج من المشاركين الذين ما زالوا على قيد الحياة، وبعضها حساسية فتح ملفات قديمة، وبعضها إجرائي يرتبط بغياب سابقة يمكن القياس عليها. ومع وجاهة هذه المبررات إلا أنها لا تنفي أن القضية في جوهرها تتجاوز التعقيد الإداري إلى سؤال أخلاقي واضح، وهو هل نترك الإنصاف رهنا للظروف، أم ننصف حين تتوفر إرادة المراجعة؟ ما أنا متأكد منه أن المرحلة التي نعيشها ستخرج جيلا سيقوم بهذه الخطوة، وإذا كنت على يقين بأن المستقبل سيعيد الاعتبار، فإن أتساءل لماذا نؤجل ما يمكن أن ننجزه اليوم؟ أليس الأجدر أن نكون نحن من يتحمل مسؤولية التصحيح بدل أن نرحله؟ أن نبادر لا يعني فقط إنصاف السريحي الغائب، بل تعني كذلك ترسيخ مبدأ أن العدالة غير قابلة للتأجيل، وأن المؤسسات الحديثة تملك شجاعة المراجعة. لن تنتهي الحكاية بإعادة الدكتوراه للسريحي، بل ستفتح باب الأمل للإنصاف، ولسؤالين قديمين جديدين في مجتمعنا هما هل يكفي أن ننصف الراحلين، أم أن التحدي الحقيقي يكمن في أن ننصف الأحياء قبل أن يتحولوا إلى ذاكرة؟ وبين هذين السؤالين، يبقى سعيد السريحي علامة على أن الثقافة لا تُقاس بما تنتجه من معرفة، بل كذلك بقدرتها في الوقت المناسب، على الاعتراف بمن أوجدوا لها معنى.