د. مي الوثلان في صالون نبل الثقافي..

الأدب لا يُبنى على الأحداث الكبرى.

شهد صالون نبل الثقافي ضمن مبادرة الشريك الأدبي بمكتب مدينتي المغرزات، محاضرة بعنوان «من اللحظة العابرة إلى النص: كيف يصنع الكاتب مادته الأدبية؟»، للدكتورة مي الوثلان تناولت واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في حقل الكتابة الإبداعية، وهي علاقة الأدب بالحياة اليومية، وكيف يمكن للتفاصيل البسيطة أن تتحول إلى نصوص ذات قيمة جمالية ودلالية. استهلت المحاضِرة حديثها بالتأكيد على أن الأدب لا يُبنى بالضرورة على الأحداث الكبرى أو التحولات الحاسمة، بل كثيرًا ما ينشأ من لحظات عابرة: كلمة قيلت على عجل، مشهد يومي مألوف، أو موقف بسيط يمرّ دون انتباه. غير أن ما يميز الكاتب – بحسب طرحها – ليس نوع التجربة، بل طريقة النظر إليها، وقدرته على التقاط ما يتوارى خلف التفاصيل الصغيرة من معانٍ عميقة. تناولت المحاضرة في محورها الأول مفهوم “اليومي”، مشيرة إلى أنه في الفلسفة غالبًا ما يُنظر إليه بوصفه مجالًا للرتابة والتكرار، غير أن الأدب يعيد اكتشافه بوصفه مخزونًا غنيًا بالدلالات. واستشهدت بنماذج من الأدب العربي القديم، مثل وصف ابن الرومي لمشهد الخبّاز، لتوضيح كيف يمكن للتفصيل العادي أن يتحول إلى صورة شعرية مدهشة. كما استحضرت مقولات الجاحظ التي تؤكد أن “المعاني مطروحة في الطريق”، وأن التميّز يكمن في حسن الصياغة لا في غرابة الموضوع. وفي السياق نفسه، أشارت إلى تصورات رولان بارت حول “الفلسفة اليومية”، حيث تتولد المعاني من أبسط الممارسات الحياتية، وهو ما يلتقي مع اشتغال الكاتب الذي يلتقط هذه التفاصيل ويعيد إنتاجها فنيًا. وفي المحور الثاني، بيّنت المحاضِرة أن النص الأدبي يستمد مادته من ثلاثة منابع رئيسة: الذاكرة بوصفها خزانًا للتجارب، والملاحظة الدقيقة التي تلتقط التفاصيل، والسؤال السردي الذي يفتح أفق الاحتمالات. وقدمت مثالًا على ذلك من تجربة نجيب محفوظ الذي حوّل الحارة المصرية إلى عالم روائي غني. كما توقفت عند تجربة الجاحظ في كتابه “البخلاء”، موضحة كيف تتحول مواقف يومية بسيطة إلى نصوص نابضة بالحياة عبر دقة الملاحظة وحيوية الحوار، بما يجعل هذه النصوص مادة يمكن قراءتها أيضًا من منظور اجتماعي وأنثروبولوجي. وفي المحور الثالث، ركزت المحاضرة على الآليات الفنية التي تُمكّن الكاتب من تحويل التجربة إلى نص، مثل الانتقاء والتكثيف، والحذف والرمزية، والتفصيل الدال. وأوضحت أن الكاتب لا ينقل الواقع كما هو، بل يعيد تشكيله عبر اختيار لحظات مكثفة تحمل جوهر التجربة. وقدمت نماذج شعرية معاصرة، من بينها نصوص لـمحمود درويش، تُظهر كيف يمكن للتفاصيل اليومية البسيطة أن تتحول إلى رموز إنسانية كبرى، مشددة على أن “الأدب لا يروي الحياة كلها، بل يلتقط لحظة مشحونة بالدلالة”. أما المحور الأخير، فخُصص للحديث عن “المشهد السردي” بوصفه المرحلة التي تتجسد فيها التجربة داخل النص. وأوضحت المحاضِرة أن المشهد يقوم على عناصر متكاملة تشمل الزمان والمكان، الشخصيات، الأفعال، الأشياء، والعواطف، إضافة إلى اللغة بوصفها الأداة الجامعة لكل هذه العناصر. كما أشارت إلى تداخل السرد مع الفنون البصرية، حيث يمكن للنص أن يعمل بوصفه “كاميرا” تنقل الحدث، مستفيدة من تقنيات السينما في بناء المشهد. واستعرضت مثالًا من رواية “الأفق الأعلى” للكاتبة فاطمة عبد الحميد، التي اعتمدت زاوية سردية مبتكرة من منظور “الموت”، ما أضفى بعدًا فلسفيًا على التجربة السردية. واختُتمت المحاضرة بالتأكيد على أن الحياة اليومية ليست فضاءً جامدًا أو مكررًا كما قد تبدو، بل هي مجال خصب للإبداع، وأن أبسط التفاصيل يمكن أن تحمل دلالات عميقة إذا ما أُعيد النظر إليها بعين أدبية. فالأدب – في جوهره – ليس بحثًا عن الغريب، بل اكتشافٌ للمعنى الكامن في المألوف.  وفي ختام الفعالية، كرّم مؤسس ورئيس صالون نُبل الثقافي منصور الزغيبي الدكتورة مي الوثلان تقديرًا لإسهامها الأدبي والثقافي المميز، ودورها الفاعل في إثراء الحوار المعرفي وتعزيز الحراك الأدبي ..