قدم الأستاذ عوضه بن علي الدوسي ندوة ثقافية بمدينة الطائف بعنوان في التعددية الثقافية وقد حضرها المهتمون بالشان الثقافي من جميع اطياف المجتمع على اختلاف مستوياتهم الثقافية وتبايناتهم الاجتماعية وقد تحدث عن مفهوم الثقافة وتعددها وتناول أبعادا مختلفة حول ثقافتنا ككيان حيّ يتجاوز حدود التعريفات الضيقة، ويتشكل باستمرار عبر تفاعل الإنسان مع ذاته ومحيطه وزمنه. فالثقافة ليست مجرد نتاج معرفي أو إبداعي، بل هي تعبير عميق عن هوية المجتمع، وعن طريقته في رؤية العالم وتأويله. وفي هذا السياق، تمثل التجربة الثقافية في المملكة العربية السعودية مثالاً لافتاً على التحول من التصور التقليدي للثقافة إلى أفق أكثر اتساعاً وتعدداً، حيث لم تعد الثقافة مجرد نشاط هامشي، بل أصبحت مشروعاً وطنياً متكاملاً يعكس طموح المجتمع ويواكب تحوّلاته الكبرى. قبل عام 2019، كان المشهد الثقافي في المملكة قائماً على جهود متفرقة ومبادرات فردية، غالباً ما تفتقر إلى الاستمرارية والتكامل. لم يكن هناك إطار مؤسسي شامل يجمع هذه الجهود ضمن رؤية واحدة، الأمر الذي جعل النشاط الثقافي يظهر في صورة ومضات متقطعة، أكثر من كونه تياراً متصلاً. ومع انبثاق رؤية 2030 التي باركها خادم الحرمين الشرفين بواسطة عرّابها ومهندسها ومنفّذها سمو ولي العهد -حفظهما الله، ومن خلالها جرى تأسيس وزارة الثقافة، بدأ هذا الواقع في التحول نحو بناء منظومة إدارية وتشريعية متكاملة، تهدف إلى تنظيم القطاع الثقافي وتوحيد مساراته. وقد تجلّى ذلك في إنشاء هيئات ثقافية متخصصة، تُعنى بكل مجال على حدة، بما يعزز من كفاءة العمل ويمنحه عمقاً واستدامة. إن هذا التحول من الفردية إلى المؤسسية لا يمثل مجرد تغيير في الإدارة، بل يعكس تحولاً في الوعي الثقافي ذاته، حيث أصبحت الثقافة تُدار بوصفها قطاعاً استراتيجياً له أثره في التنمية. اتساع مفهوم الثقافة وتجاوز النمط التقليدي من أبرز التحولات التي شهدتها الثقافة في المملكة إعادة تعريفها بصورة شاملة، بحيث لم تعد مقتصرة على الأدب والكتابة، بل امتدت لتشمل مجالات متعددة من الإبداع الإنساني. وقد شمل هذا الاتساع الفنون البصرية، والمسرح، والسينما، والموسيقى، والفنون الأدائية، إلى جانب الأزياء وفنون الطهي، والتراث والمتاحف. هذا التوسع لا يعكس فقط تنوع الأنشطة، بل يشير إلى إدراك عميق بأن الثقافة نمط حياة لا مجرد ترف إدراك جعلها تتجلى في تفاصيل الحياة اليومية، وفي أنماط العيش، وفي الذوق العام، كما تتجلى في الإنتاج الفني والفكري. وهنا نزلت الثقافة من برجها العاجي، وانتقلت من كونها نشاطاً نخبوياً إلى كونها ممارسة مجتمعية واسعة، يشارك فيها الأفراد بطرق مختلفة، ويعبّرون من خلالها عن هويتهم الفردية والجماعية. الثقافة والعمل بنهج تشاركي.. لقد بات واضحاً أن وزارة الثقافة تنطلق من أهداف واضحة ورؤية استراتيجية عميقة كما بدا من تصاريح وتأكيدات سمو وزير الثقافة صاحب السمو الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، في عدة مناسبات على التزام الوزارة ب"نهج تشاريكي"شامل لتطوير القطاع الثقافي في المملكة العربية السعودية، وذلك في إطار تحقيق مستهدفات رؤية 2030. ومن أبرز نقاط النهج التشاركي لوزارة الثقافة: * الشراكة مع المبدعين: العمل المستمر والمواءمة مع المبدعين والمثقفين السعوديين لإثراء الرحلة الثقافية. * التعاون القطاعي: الشراكات مع الوزارات والجامعات الحكومية والخاصة لتقديم برامج نوعية تسد حاجة سوق العمل في القطاعات الثقافية. * تمكين القطاع غير الربحي: أعلن الوزير عن قفزات نوعية في القطاع الثقافي غير الربحي، حيث زاد عدد المنظمات من 30 إلى أكثر من 1600 منظمة، مع تقديم برامج دعم تجاوزت 340 مليون ريال. * الشراكة المجتمعية: تفعيل دور المجتمعات المحلية في ترميم وتأهيل المواقع التراثية، مثل مبادرة ترميم البلدات التراثية. * التعاون الدولي تعزيز العلاقات الثقافية مع الدول الصديقة، مثل فرنسا، لتبادل الخبرات والمشاركة في الفعاليات الثقافية العالمية. يهدف هذا النهج إلى بناء منظومة ثقافية مستدامة، تُمكن الموهوبين، وتدعم الإنتاج الثقافي، وتؤسس بنية تحتية ثقافية قوية. التعددية الثقافية تعبير عن الهوية إن التعددية الثقافية في المملكة ليست ظاهرة مستحدثة، بل هي سمة أصيلة في المجتمع السعودي، الذي يتسم بتنوع مناطقه وتقاليده وعاداته. غير أن الجديد في المرحلة الراهنة هو الاعتراف بهذا التنوع، والعمل على تفعيله ضمن إطار مؤسسي يبرز قيمته ويمنحه مساحة للظهور. وتتجلى هذه التعددية في التقاء عناصر متعددة: التراث العريق، والحداثة المتسارعة، والتأثيرات العالمية، والخصوصية المحلية. فهي تعددية لا تقوم على التنافر، بل على التكامل، حيث تتجاور الحرف التقليدية مع الفنون المعاصرة، وتلتقي الممارسات الشعبية مع الإنتاج الإبداعي الحديث، في مشهد ثقافي غني ومركّب. الثقافة السعودية في الفضاء العالمي شهدت الثقافة السعودية في السنوات الأخيرة حضوراً متزايداً على المستوى الدولي، من خلال المشاركة في المنظمات الثقافية العالمية، وتنظيم فعاليات دولية، وتسجيل عناصر من التراث ضمن القوائم العالمية. هذا الحضور لا يعكس فقط رغبة في التعريف بالثقافة السعودية، بل يعبر عن انتقالها من المحلية إلى العالمية، ومن الانغلاق النسبي إلى الانفتاح الواعي، الذي يتيح التفاعل مع الثقافات الأخرى دون فقدان الخصوصية. في الختام.. في ضوء هذه التحولات، يمكن النظر إلى الثقافة في المملكة العربية السعودية بوصفها تجربة تتجاوز مجرد التطوير المؤسسي، لتلامس سؤال الهوية في أعمق مستوياته. فهي ليست انتقالاً من حال إلى حال فحسب، بل إعادة تشكّل لوعي المجتمع بذاته، وبمكانه في العالم. وهكذا، لا تعود الثقافة مجرد أثرٍ لما كان، بل تصبح أفقاً لما يمكن أن يكون؛ أفقاً مفتوحاً على احتمالات لا تنتهي، حيث يلتقي الماضي بالحاضر، ويتحوّل التنوع إلى وحدةٍ أعمق، قوامها الإنسان في سعيه الدائم إلى المعنى.