الأوغاد يضحكون.

1 أدب التلسين مفهوم أدبي لافت صاغه الناقد المصري فاروق عبد القادر، ليصف به نوعا من الكتابة الأدبية تتجاوز التعبير الأدبي الفني إلى توظيف الأدب كأداة لسخرية الكاتب من شخصية أدبية أو فكرية أخرى وربما لتصفية الحسابات مع كتاب معاصرين. هذا النوع من الكتابة يستخدمه الكتاب للهزء من خصومهم الأحياء من دون أن يصرحوا بأسمائهم، بل يلمحون ويرمزون، وربما يسقطون ذلك فنيا. لا يكتفي كتاب هذا النوع من الأدب بعرض تجربهم الأدبية، بل يحمّلون ما يكتبون شحنة من المواقف الشخصية التي تتخذ طابعا ساخرا وكاريكاتوريا، فيصوغون الشخصيات بطريقة توحي بوجود نماذج واقعية. يرى بعض النقاد أن أدب التلسين يعكس واقعا ثقافيا مشحونا بالصراعات الأدبية، ويكشف خبايا الوسط الأدبي. ويمكن قراءته بوصفه وثيقة غير مباشرة عن طبيعة العلاقات بين المثقفين. لا يقدم هذا النوع من الكتابة دليلا مباشرا على هوية الشخص، لكنه يترك إشارات تسمح للقارئ الفطن والعارف بالسياق الثقافي أن يتعرفه أو يتخيله ضمن بيئة واقعية. لكن ما يجب التنبه إليه هو أن غياب أي مرجع خارجي واضح، أو أي إشارة صريحة يجعل من الصعب على القارئ أن يجزم بأن شخصية هي بعينها في الواقع. وكما يبدو لي فهناك علاقة تقارب وليس علاقة تطابق بين أدب التلسين في النثر وفن الهجاء في الشعر، إذ يشتركان في الغاية ويختلفان في الأسلوب. فأدب التلسين يقوم على الإيحاء والتلميح والتشفير من دون أن يصرح باسم الشخص الواقعي المقصود، وهو ما يتيح المجال للقارئ أن يستنتج المقصود. ويمنح النص بعدا تأويليا يتكفل فيه القارئ بإنتاج المعنى وبنائه وتكوينه. أما الهجاء في الشعر، فمعروف تاريخيا بجرأته وصراحته، إذ يواجه المهجو مواجهة مباشرة، وقد يُذكر الشاعر اسم المهجو، ويعدد مثالبه. وبالرغم من هذا الفرق فهما يلتقيان في كونهما أداتين للتقليل من شأن الآخر وتصفية الحساب معه. لكن التلسين يختار المراوغة والالتفاف، بينما يسلك الهجاء مسلك المواجهة والتصريح. لذلك لا نستطيع أن نعتبر أدب التلسين مرادفا نثريا للهجاء لأن في ذلك قدرا من التبسيط؛ فالتلسين أغنى وظيفة، إذ لا يقتصر على الذم، بل قد يُستخدم في السخرية، أو النقد الثقافي، أو حتى بناء دلالات رمزية متعددة، بينما يظل الهجاء مرتبطا بوظيفة هجومية. لذلك فمن المناسب أن يقال إن التلسين قد يؤدي أحيانا وظيفة الهجاء، لكنه يفعل ذلك بأدوات حفية ومرنة، تجعل النص أقل صدامية وأكثر قابلية للتأويل. 2 في سياق هذا النوع من الأدب (أدب التلسين) تبرز رواية (المرايا) لنجيب محفوظ بوصفها نموذجا دالا؛ إذ يرى عدد من الباحثين في أدب محفوظ، وبعض القراء الخبيرين بأعماله أن شخصيات هذه الرواية لا تنفصل عن شخصيات حقيقية موجودة في الواقع؛ عايشها نجيب محفوظ نفسه أو عرفها في الوسط الثقافي والسياسي المصري. فشخصية عبدالوهاب إسماعيل تحيل إلى سيد قطب، بينما يُنظر إلى إبراهيم العقل باعتباره انعكاسا للمفكر المعروف منصور فهمي. في حين يُربط عباس فوزي بالكاتب كامل الكيلاني، ويُلمح إلى أن جاد أبو العلا قد يكون مستوحى من ثروت أباظة. وهكذا أصبحت رواية نجيب محفوظ مساحة مشحونة بالإيحاءات التي تتجاوز حدود التخيل الفني إلى الإحالة على الواقع الاجتماعي والفكري. وإن لم تكن قراءة (المرايا) بهذا الشكل محسومة بشكل قاطع إلا أن هذه القراءة تنطلق من طبيعة العمل ذاته، فالعمل يلمح ولا يصرح، ويعيد تشكيل الشخصيات الواقعية داخل بناء سردي يسمح بتعدد التأويلات. ومن هنا تظهر آلية أدب التلسين. فمحفوظ يخفي الشخصية الحقيقية خلف قناع فني؛ لأن ذلك يمنحه حرية أكبر في النقد أو الإيحاء أو حتى السخرية دون الوقوع في المباشرة أو التصريح الصريح. يجد قارئ (المرايا) نفسه أمام عمل مزدوج الدلالة يمكن قراءته بوصفه عملا تخييليا مكتمل العناصر الفنية، أو بوصفه وثيقة تشير إلى شبكة من العلاقات والشخصيات الواقعية في الوسط الثقافي والفكري المصري. ومع ذلك فإن هذه القراءات تبقى في حدود الاحتمال النقدي ولا ترقى إلى اليقين التاريخي لأن نجيب محفوظ لم يعترف بالتحويل بين لشخصية الواقعية والشخصية الروائية إلا بسيد قطب؛ مما يفتح المجال لتعدد التأويلات أما الشخصيات الأخرى ويجعل من الرواية فضاءً بين الأدب والتاريخ وبين الخيال والواقع. يمكن أن يكون العنوان (المرايا) هو الكلمة المفتاحية التي تضيء طريقة اشتغال العمل، فالمرايا تعكس بزوايا معينة، وقد تبرز جانبا وتخفي آخر. علاوة على ذلك فشخصيات هذا العمل قد تتحول إلى مرايا يعكس بعضها بعضا، وفي الوقت ذاته تعكس الواقع الفكري والاجتماعي المصري من دون أن تتطابق معه بشكل حرفي؛ بل تعيد إنتاجه وفق شروط الرؤية والزوايا، وهو ما ينسجم مع تقنية التلسين التي تعتمد على الإيحاء بدل التصريح، وعلى الإحالة بدل التسمية. وبهذا ينجح العمل في خلق مسافة فنية بينه وبين الواقع، تتيح له أن يناقش شخصيات حقيقية وأفكارا مؤثرة دون الوقوع في المباشرة أو التوثيق الصريح. لا يشير العنوان (المرايا) إلى تعدد الشخصيات فقط، بل يشير كذلك إلى تعدد صور الحقيقة ذاتها. أي أن الصورة الواحدة تتكسر إلى قطع وانعكاسات متعددة، لكل منها زاويته وحدوده. وهذا ما يجعل المرايا فضاء للتأمل في الفكر والثقافة، وليس مجرد سرد لحكايات أفراد، فالشخصيات تحولت إلى تجليات رمزية لتيارات واتجاهات فنية وفكرية مرئية عبر مرايا الفن، وليس عبر عدسة الواقع. بذلك يصبح أدب التلسين مضمنا في العنوان، وتغدو المرايا أداة فنية تكشف بقدر ما تخفي، وتوحي بقدر ما تصرح. 3 هل هذا النوع من الأدب موجود في الأدب السعودي؟ يبدو لي ذلك. وفي هذا السياق، ومن دون أن أكون قادرا على التدليل، يبدو لي أن قصة (ماذا قال القميري) في مجموعة عبده خال القصصية (الأوغاد يضحكون) تنتمي إلى هذا النوع. فلأول وهلة يبدو أننا أمام وصف خيالي. لكن (ولكن هنا مهمة) إذا ما دققنا فسنكشف أبعادا نقدية خفية. فالقميري شخصية ليست طبيعية، بل صورة مشوّهة تعتمد على المبالغة في الصفات الجسدية، مثل الانتفاخ والتورم والتضخم، في مشاهد أقرب إلى الكاريكاتيري. هناك مجموعة من الأصوات السردية، تتمثل في شهادات الأطفال الذين يصفون ما شاهدوه من حالات القميري. هذا التعدد في الأصوات السردية يؤدي إلى إضفاء طابع من الواقعية على القميري، كما لو أن القارئ أمام واقعة حقيقية، وليست مجرد خيال أدبي. تعزز هذه الأصوات السردية صورة القميري السلبية بإجماع هذه الأصوات على وصفها بصورة ساخرة وكاريكاتورية من دون أي موقف عدائي، إذ لا يهوجم القميري بشكل واضح، بل تترك القصة الأوصاف المبالغ فيها تقوم مقام النقد. وهذا ما يمنح النص طابعا إيحائيا، يجعل القارئ يستنتج الموقف بنفسه دون أن يفرض عليه صراحة. تستند القصة إلى تفاصيل دقيقة، وأصوات متعددةـ تمنحها طابعا توثيقيا، يقربها من الواقع. هناك أكثر من شاهد، مع اختلاف بسيط في الوصف؛ أي أن وجود مرجع واحد مشترك (شخص حقيقي) تختلف حوله الانطباعات. مبالغة الصبية الذين رأوه لا تنفي الحقيقة، بل تعكس طريقة رؤيتهم للشخص. أي أن القميري شخصية ممكنة في الواقع وليست مستحيلة. وهذه كلها؛ أعني اجتماع الطابع التوثيقي، وتعدد الشهادات، وإمكانية التفسير الواقعي، يجعل من القميري (ربما) شخصية يمكن أن تكون حقيقية. ومن دون أن أكون قادرا على البرهان فالقميري ليس خيالا، بل قناعا أدبيا لشخص واقعي تم تصويره بطريقة غير مباشرة. يمكن تحسين فكرتنا فيما لو فهمنا أن صفات القميري الجسدية الواردة في القصة قد تكون مجازا يعبر عن حالات معنوية؛ كغرور بعض المثقفين، وانتفاخ ذواتهم. فالتضخم والانتفاخ لا يدلان بالضرورة على هيئة القميري الجسدية بل يمكن أن يشيرا إلى تكبر المثقفين وتعاليهم. أما الأطفال الذين يصفون القميري فليسوا بالضرورة صبية حقيقيين بل يمكن أن يكونوا مثقفين آخرين أو العامة الذين يلاحظون هذا الغرور. وبذلك تصبح القصة رمزا لمثقف متعال يراه الناس بصورة مشوهة نتيجة سلوكه، وليس نتيجة شكله الحقيقي. وأكثر من ذلك يمكن التحسين فيما لو ربطنا القميري بعنوان المجموعة القصصية (الأوغاد يضحكون) فالضحك في العنوان ليس ضحكا بريئا، بل هو ضحك ساخر أو متعال، وقد يكون القميري نفسه واحدا من هؤلاء الأوغاد الذين يبدون في صورة منفرة لكنهم مغرورون. ويمكن أن نفهم العنوان على العكس من ذلك، بحيث لا يكون القميري هو من يضحك، بل هو موضوع للضحك من قبل الآخرين، أي أن الأوغاد هم الذين يسخرون منه، وفي هذه الحالة يتحول الضحك إلى أداة قاسية تكشف عن خلل في نظرة المجتمع. قد يكون القميري تجسيدا رمزيا لشخصية متضخمة، بينما يشير عنوان المجموعة إلى حالة عامة من التهكم المتبادل داخل المجتمع أو الوسط الثقافي، فالجميع يسخر من الجميع، والتقدير الحقيقي غائب من أجل النقد والسخرية. أي أن علاقة تكامل دلالي بين العنوان وشخصية القميري. فكل منهما يضيء الآخر، ويكشفان معا عن عالم يسوده التهكم والرمز، ويختلط فيه الحقيقة بالخيال، والنقد بالسخرية. 4 لا يقتصر أدب التلسين على الرواية أو القصة، بل يمكن أن نجده في السيرة الذاتية. وفي هذا السياق يحضر أدب التلسين في مواضع كثيرة من كتاب عبدالله الغذامي (حكاية الحداثة) وتحديدا عند تلميحه إلى شخصيات يعرف القارئ أنها تحيل إلى أشخاص حقيقيين، وآثر الغذامي ألا يذكرها بالاسم. ومن بين شخصيات تبرز شخصية (حمدوس). هذه الشخصية، كما يصورها الغذامي، ليست مجرد عابر في حياته الثقافية، بل هي نموذج للملاحق الدائم، الذي يتتبع خطواته في المدن والندوات والمحاضرات، بل ويتجاوز ذلك إلى فضائه الشخصي حين يزوره في منزله ويتفحص مكتبته. هذا النوع من تقديم الشخصية لا يمكن فصله عن استراتيجية التلسين، حيث يتحول الاسم المستعار إلى قناع يخفي وراءه شخصية حقيقية، قد يعرفها بعض القراء، وقد يتخيلونها من دون يقين. وهنا تتجلى لعبة الكتابة. فمن جهة يروي الغذامي تجربة ذاتية وواقعية، ومن جهة أخرى يترك مسافة من الغموض تحميه من التصريح، وتمنح الكتابة طاقة دلالية إضافية لأن القارئ سيربط الشخصية بسياقات ثقافية. كما أن اختيار اسم كحمدوس ليس اختيارا عشوائيا ولا اعتباطيا، بل يحمل في طياته إيحاء ساخرا يعكس موقف الكاتب من هذه الشخصية أو من الظاهرة التي تمثلها. فالاسم (حمدوس) تحول إلى أداة دلالية تسهم في بناء المعنى، وتكشف عن موقف ضمني دون الحاجة إلى التصريح المباشر. وهذا الملمح أحد أبرز ملامح أدب التلسين، حيث يتم التعبير عن المواقف عبر الإيحاء لا الإعلان. يمكن النظر إلى حمدوس بوصفه تمثيلا لنمط من العلاقات داخل الوسط الثقافي، حيث تتداخل المتابعة بالإعجاب، وربما بالمراقبة أو التطفل. ومن خلال هذا التمثيل، ينجح عبدالله الغذامي في تقديم صورة مركبة للواقع الثقافي، دون أن يقع في فخ التسمية المباشرة أو المواجهة الصريحة. 5 غير الإبداع والسيرة يبدو لي أن هناك نقدا تلسينيا لاسيما النقد الثقافي المرتبط بالنقاد العرب. أي أن هناك علاقة بين بين النقاد العرب الثقافيين وبين نقد التلسين يمكن تلمسها من دون تبن صريح لهذا النوع من الكتابة. فالنقد الثقافي كما يعرض في العالم العربي يتحرك في الحيز نفسه الذي يتحرك فيه التلسين، أي منطقة الإيحاء والتضمين واللامصرّح به؛ ككشف المضمر المختبئ خلف الخطابات، أي أنه يسعى إلى تعرية ما هو غير معلن ورده إلى بنيته الثقافية، غير أن الفرق الجوهري أن الناقد الثقافي يتعامل مع الموضوع بوصفه ناقدا كاشفا، بينما التلسين يتعامل معها بوصفه كاتبا مُواربا. قد لا يكون الناقد الثقافي العربي مجرد ناقد يؤول المضمر، بل ينتج مضمرا جديدا، أي أنه يمارس نوعا من التلسين. وهذا ما يجعل العلاقة بينه وبين نقد التلسين علاقة مزدوجة: فهو من جهة يقدم مفاهيم لتحليل الخطابات التي تقوم على الإخفاء، ومن جهة أخرى يوظّف هذا الإخفاء نفسه في بعض كتاباته. لذلك تبدو علاقة النقد الثقافي العربية بالتلسين علاقة تقاطع وتداخل، وليس علاقة تطابق أو انتماء. 6 ما الخيط الذي يمكن أن نمسك به؟ أن أدب التلسين وسيلة لإعادة تشكيل الواقع. تُنتقى بعض تفاصيله، وتُشفر بعض شخصياته بطريقة توازن بين الكشف والإخفاء. وهذا ما يمنح هذا النوع من الكتابة حيويته، ويفتحه على قراءات متعددة، تتجاوز حدود التجربة الفردية إلى أفق أوسع من التأمل الثقافي والنقدي. سيجد القارئ في نص من هذا النوع شبكة من الإشارات والوقائع الجزئية التي تُبنى بطريقة غير مباشرة، بحيث تقود إلى المقصود دون أن تُفصح عنه. الكاتب هنا لا يواجه ولا يسمّي، بل يلمّح ويترك فراغات دلالية، فينخرط القارئ في التأويل، محاولا المحتوى وبين ما يعرفه من واقع. يعيد أدب التلسين توجيه اللغة؛ فبدل أن تكون اللغة أداة تعيين صريحة، تصبح أداة إيحاء قابلة للتعدد. وهذا ما يمنح النص قوة خاصة، لأنه يجمع بين الجرأة الظاهرة في التعبير، والحذر الكامن في عدم التحديد. فجوهر أدب التلسين لا يحكم على أشخاص محددين، بل يفتح أفقا تأويليا يشتغل فيه المعنى بالتلميح. هنا وقبل أن ينتهي المقال، فهذا المقال ذاته قد يكون مقالا منتسبا إلى أدب التلسين. فالأوغاد يضحكون عنوان ينتمي إلى أدب التلسين بشرط ألا يأخذه القارئ بمعناه الحرفي، بل بوصفه عنوانا يخفي أكثر مما يظهر. لنقل قناعا لغويا ليستدعي القارئ صورة عامة يملؤها بحسب خبرته وسياقه. في هذا السياق يتحول الأوغاد إلى وصف مفتوح، يلمّح إلى نوع من السلوك أو إلى جماعة يعرفها القارئ ضمنيا دون أن الإشارة بالاسم. أما الفعل (يضحكون) فسيحمل في هذا السياق دلالة تتجاوز الفعل، إذ قد يُفهم بوصفه سخرية أو استهزاء أو استغلالا لواقع معين، فيصبح الضحك علامة على مفارقة أخلاقية أو خلل في موازين القيم. إذا كان ذلك كذلك فعنوان المقال يعمل بوصفه مدخلا تلسينيا، يثير انتباه القارئ ويستفز توقعه، لكنه لا يصرح بما يمكن الإمساك به، وبالتالي محاسبة الكاتب عليه.