يفتتح فيلم المخرج الإيراني هومان سييدي بالاقتباس المؤثر لمارك توين: “التاريخ لا يعيد نفسه، بل غالبا ما يكون متشابهاً”. وفي الجملة هناك بالفعل كل معنى السرد الذي، بدأ من الكواليس المتهالكة لإنتاج سينمائي عن الحرب العالمية الثانية، يحذرنا من كيف أن الشر يكمن دائما في قلب الإنسان . تدور أحداث الفيلم حول الشخصية المحورية للعمل “شكيب”، العامل البسيط المهمش ، شكيب هو عامل يكسب رزقه من العمل اليومي. التنظيف، البناء، أو النجارة مهما كانت صعبة ومرهقة، لا توجد مهمة لا يرغب شكيب في تنفيذها، بهذا التواضع والإحساس بالواجب. حياته هشة للغاية: شكيب عامل يومي مشرد لم يتعاف أبدا من فقدان زوجته وابنه في زلزال قبل سنوات. على مدى العامين الماضيين، كان في علاقة مع امرأة صماء . الرابطة العاطفية الوحيدة له هي مع الشابة (لادان) الصماء التي يحبها الرجل بعمق. شارك في كتابة السيناريو: أريان وزير دفتاري، آزاد جعفريان مع المخرج “ هومان سيدي” . من ( مسطر العمال ) كل صباح يركب شكيب إحدى الشاحنات التي تطلب عمالة رخيصة لوظائف من جميع الأنواع ، وفي يوم ما يركب مركبة متجهة إلى المكان الذي يبنى فيه موقع تصوير مع ثكنات ومكاتب لرؤساء معسكر اعتقال نازي . يتضح أن موقع البناء الذي يعمل فيه اليوم هو موقع تصوير فيلم عن الفظائع التي ارتكبها هتلر خلال الحرب العالمية الثانية . هذا الاكتشاف غير المتوقع هز حياته بعمق. لكن في يوم من الأيام، تأخذ حياته منعطفا مفاجئا ، حيث يتحول موقع البناء الذي يعمل فيه إلى موقع تصوير فيلم مكرس لرعب الحرب العالمية الثانية، ويحصل شكيبيب على فرصة عمل طويلة الأمد وراتب أعلى ومكان مستقر للمبيت، وسرعان ما يحصل على دور بارز في مسار العمل ، واستدعاؤه للعب دور أدولف هتلر صدفةً . لم يمثل شكيب من قبل ولا يشبه هتلر على الإطلاق، تم توظيفه في البداية للمساعدة في بناء وحراسة ديكورات الفيلم ، بعدها تم تشغيله كومبارس ، وكلف بسرعة بالدور بعد استبدال البطل الأصلي الذي سقط بسبب حالة طبية طارئة أثناء التصوير . شكيب لا يهتم بالوقوف أمام الكاميرا ويضطر إلى إقناعه بمهامه الجديدة من قبل العاملين في الفيلم الذين يقصون لحيته ويضعون له ذلك الشارب الهتلري المميز ، ويطالبونه بتوقيع عدد من الوثائق والتعهدات التي يجب أن يلتزم بها . وينتقل من غرفته الرثة إلى المنزل الكبير حيث تدور عدة مشاهد رئيسية . الممثل (شكيب) يقيم في منزل الديكتاتور الذي بني خصيصا لهذه المناسبة ويطلب منه عدم استقبال أي شخص . لكن لسوء حظه تظهر حبيبته لادان في موقع التصوير وتطلب منه المبيت بعد هروبها من الابتزاز والاستغلال، يقرر البطل أن يرحب بها سرا في المنزل الذي خصص له ، مخالفأ للأوامر ، وهذا يدفعه أيضا إلى دوامة من المشاكل . يرافقنا منذ البداية وجه “شكيب” الكئيب الذي عانى من الفقد والحرمان ، وجه لا يحمل الكثير من التعابير سوى الاستكانة والحزن . ويبدو من خلال ترحيله من مجموعة من العمال إلى مكان التصوير أنه يبحث فقط عن أدنى شروط الراحة في عمله . وحتى عندما يُساق كعنصر (كومبارس) لتكملة جموع العمال الآخرين إلى “غرفة الغاز” دون توضيح من قبل المخرج عن طبيعة مهمته ، فلا نلاحظ ردة فعل منه سوى وجه يمعن في شعور الإحباط والإذلال . تبين أن موقع البناء الذي يعمل فيه اليوم هو مسرح فيلم تجسد فيه فظائع هتلر خلال الحرب العالمية الثانية . وتحدث الانعطافة الكبيرة في حياة شكيب حين يسقط الممثل الذي يقوم بدور هتلر فجأة أثناء التصوير إثر تعرضه لأزمة قلبية. يحصل شكيب على فرصة عمره للخروج من التهميش، ويقدم له عرضٌ في تجسيد شخصية هتلر. تتغير حياته من “كومبارس” كان من جموع الذاهبين إلى “المحرقة” الى شخصية رئيسية في الفيلم . ويتم تشكيله بهيئة جديدة دون أدنى اعتراض أو تذمّر من حلق لحيته وتغيير هيئته . ولاحقاً تظهر قدرته الهائلة على تحويل تعابيره الجامدة والتحوّل من إنسان بسيطٍ ومسكين وخاضع ، إلى حيوان هائج شرس (هتلر) . المشكلة في عدم معرفته في كيفية التصرف مع هذه الشخصية النازية. في الواقع، لم يسمع قط عن الديكتاتور الألماني سيئ السمعة . هذه هي أفضل لحظات الفيلم، عندما تمكن المخرج الإيراني “هومان سيدي” في بناء مشاهد من الكوميديا والضحك من خلال رسم صورة لشعر هتلر وشاربه المثيران للسخرية ، وكذالك جهل شكيب في طبيعة الشخصية وعدم قدرته على التصرف هو الذي يبرز حقا من خلال أدائه المذع للسخرية لدرجة أنه بالكاد يستطيع القيام بتحية نازية، بالانتقال إلى مساحة نوم أكثر راحة. وفي منتصف الفيلم عند محاولتها الهروب من عملها ووكيلها، زارته فجأة حبيبته لادان (ماهسا حجازي) وهي صماء ويتعامل معها بالإشارة (كانت والدته صماء أيضاً) . تستغل لادان وظيفة شكيب الجديدة وتراها فرصة للهروب من الرجل العنيف الذي يستغلها. وتطلب منه المساعدة في تخليصها من قيود (فرشيد) الرجل الذي يستخدمها لأغراض دنيئة وتطلب البقاء معه في موقع التصوير ويحاول شكيب إخفاءها ، لأنه غير مسموح بالزيارات الخاصة للممثلين حسب بنود عقد العمل وليس أمام شكيب خيار سوى إخفائها عن الطاقم ، خوفا من فقدان وظيفته الجديد كممثل لشخصية هتلر. ما تضطر لادان إلى الاختباء تحت ديكور المنزل حتى لا يتمكن أحد من رؤيتها. الفتاة الصماء لادان لها تأثير غريب على شكيب . تخبر الفتاة الصماء شكيب أن فرشيد يلاحقها وتستنجد به لإنقاذها منه . وبالفعل يأتي فرشيد إلى شكيب ويخبره أن عليه أن يدفع له 100 مليون تومان في غضون 24 ساعة قبل أن يتخلى عن الفتاة الصماء ويتركها له . يصارحه شكيب في استحالة الحصول على المبلغ لعامل يومي. يقوم فرشيد بمساومة شكيب ويطلب منه أن يدفع له مبلغا غير قابلا للخصم في غضون يومين لشراء حريتها . ولدفع هذا المبلغ يطلب شكيب من “نصراتي” منتج الفيلم أن يدفع له راتبه . نصراتي يدفع فقط خمس المبلغ الذي يريده ويقول إن الباقي سيتم دفعه بعد الانتهاء من التصوير . تمكن شكيب من إقناع فرشيد بمنحه مزيدًا من الوقت، لكن عندما عاد إلى مكان التصوير ، يصاب بالصدمة والرعب عندما يجد ديكور المنزل الذي كانت تختبئ فيه لادان أصبح أنقاض بعد أن أشتعلت النيران فيه . يثور شكيب ويسعى كالمجنون في العثور على جثتها حتى يتمكن من دفنها بشكل لائق . يعده المنتج نصراتي بالبحث عن جثتها المحترقة في صباح اليوم التالي . ويحاول فريق الإنقاذ البحث عن “لادان”، وحين لم يعثروا على أثر لها ، يتوقعون أنها هربت قبل إندلاع الحريق . لكن “شكيب” لم يصدق رواية هروبها ، وكانت تلك البداية في التحول الجوهري في شخصية شكيب الهادئ والمسالم الى الوحش الذي يقترب من شخصية “هتلر “. وبعد أن يثور بوجه المخرج والمنتج اللذين يحاولان تهدئته ويخبرانه بأنه ضحية لعبة من رجل دنيء وفاسد، وامرأة لعوب، وأن الفتاة لم تمت بل عادت الى فروشيد، يستكين ويقبل الهزيمة. لكنه يضمر في نفسه خطة للانتقام . يتحول “شكيب” إلى “هتلر” عندما يقوم بسرقة علبة السم القاتل من متجر أحد تجار الدًّين بالفائدة، وعندما يأتي لمكان التصوير يعاتبه على سرقته ويستفسر عن علبة السم ، يقوم شكيب بقتله كي لا يخبر الجميع بأنه وضعه في الطعام قاصدا قتل الجميع . وقبل مشهد النهاية، سوف يدهشنا المخرج “هومان سيّدي” بمشهد قصير بالغ التعبير لشكيب وهو يرتدي بدلة هتلر ويمشي “وظهره للكاميرا” بين خطين من الأسلاك الشائكة والثلج يتساقط، لدرجة نرى “هتلر” الحقيقي بكل جبروته وطغيانه . ينتهي الفيلم بسقوط الجميع موتى بعد تجرّع السم مع الطعام، وتكون كلمة النهاية ذات مغزى واضح أيضا (ساعدونا) . يتحدث المخرج عن التحولات في الشخصية الرئيسية لشكيب من إنسان بسيط يعيش مأساة الى وحش وقاتل مرادف لشخصة هتلر، “ لا أراه وحشا بل أراه كشخص ضحية قسوة الحياة وظروفها”. إشارات سياسية في الفيلم أو استعارة لوضع إيران الحالي ؟ هل هذا الفيلم يتناول شخصية هتلر فقط ؟ وهل يتعلق الأمر بالحرب العالمية ؟ وهل يتعلق الأمر بأشخاص من الطبقة الدنيا في المجتمع؟ هذا الفيلم هو عن واحد من الناس الذين نصادفهم ونراهم في الحياة . شكيب ضحية ماضيه الخاص، يبحث عن الخلاص في علاقة مع المرأة الصماء لادان (مهسا حجازي) التي يصعب فك شفرتها . لكن ما يغير مسار حياته وسلوكه مع الحياة والناس هي الشروط التي تفرض عليه. ما نراه في هذا الفيلم من خلال الشخصية الرئيسية للفيلم والتحول الجذري في سلوكها وممارساتها كشخص هادئ ومسالم ومتصالح مع نفسه ، لكن بفعل الظروف والمجتمع وأحداث الحياة اليومية يتحول هذه الانسان الوديع الى وحش عديم الرحمة ومجرم سفاح . من خلال خلق هذا التحدي يظهر المخرج تأثير العلاقات الإنسانية والقمع والظروف المعيشية على الناس . في بعض النواحي، فيلم الحرب العالمية الثالثة رمزي تماما، ولحظته هي استعارة للوضع السياسي والاجتماعي للحكومة الإيرانية وعلاقتها مع الشعب الإيراني. في البداية ، يمكننا التكهن من الأدلة بأن الفيلم كوميديا سوداء ، وربما الإطار العام للحكاية يشير لحقيقة الشعب الإيراني الذي عانى من السلطة الديكتاتورية . علينا مراجعة التاريخ خطوة بخطوة، وإلا فإن هذا النقص في المعرفة سيقودنا إلى ديكتاتورية جديدة أو إلى طريقة للمساعدة في خلق الديكتاتوريين . والحقيقة هي أن حياة الفقراء والمحرومين هي محرقة دائمة، ظروفهم المعيشية تشبه وجودهم في معسكرات الاعتقال. فيلم “ هومان سيدي “ هو مثال على هذا الطغيان والقمع على وجه التحديد ، إنه تحذير عاجل للحاضر والمستقبل من خلال العودة إلى الماضي. ومع ذلك ، ليس فقط الجوانب السياسية ، فهناك العديد من نقاط الاشتعال بسبب الصراعات الطبقية - الاجتماعية والاقتصادية والجمالية وحتى السينمائية - مما يؤدي إلى غضبهم وتمردهم وانتقامهم. يشكو شكيب من أن أحدا لا يستمع إليه، وأن ضربه أسهل من إعارته أذنا. يستكشف الفيلم المشاعر المعقدة والمتناقضة للشخصيات مثل الحب والشعور بالذنب والغضب والانتقام . في الفيلم يركز المخرج على إساءة استخدام السلطة ، يبدو أنه لا يوجد مخرج للطريق المسدود الذي غرق فيه شكيب، يختار المخرج والممثل الإيراني “هومان سيدي” الذي بدأ سيرته خلف وأمام الكاميرا في أوائل الألفية الثانية ، الغوص في متاهات الألم والاضطهاد، وفي إيماءة نهائية متطرفة من التمرد قام بها شكيب الذي تلبس شخصية النازي ( هتلر) . إدانة الطبقية في إيران يُعد فيلم “الحرب العالمية الثالثة” للمخرج الإيراني “هومن سيدي” واحدًا من الأفلام التي تناولت البنية الاجتماعية والطبقية داخل إيران بجرأة وبأسلوب غير مباشر، وقد حصد هذا العمل جائزة أفضل فيلم في قسم “آفاق” بمهرجان فينيسيا السينمائي الدولي في دورته الـ 79 لعام 2022، إلى جانب جائزة أفضل ممثل لبطل الفيلم “محسن تنابنده” الذي جسد شخصية “شكيب”، ورغم أن الفيلم يعرض مأساة فردية، إلا أنه من جهة أخرى يكشف مأساة فئة من المجتمع تعيش في طبقات متراكمة من الظلم والقهر والاستغلال. فيلم “الحرب العالمية الثالثة” الحرب لايتحدث عن السياسة، بل عن الطبقبة في المجتمع الايراني وعن الإنسان الذي يُسحق بين طبقات الصمت والاستغلال والتواطؤ. يحمل الفيلم الإشارات الطبقية سواء من خلال التعبير البصري، مثل مشهد غداء طاقم العمل، وفيه يجلس فريق الفيلم حول منضدة كبيرة، فيما العمال يجلسون القرفصاء إلى جوارهم، في النهاية: الفيلم لم يتحدث فقط عن حرب عالمية انتهت، بل عن حرب أخرى مستمرة يخوضها الإنسان داخل نفسه، حرب مستترة ضد القهر الذي يتعرض له الأفراد الذين يعملون في منظومات أو كيانات تصنع من ضعفهم وقودًا لاستمرارها . *كاتب عراقي