فيلم«ذيب» للأردني ناجي أبو نوار..

حيث تنتهي الطفولة وتبدأ الوحشية.

عندما صدر فيلم “ذيب” كان حدثاً سينمائياً يشبه ظهور نجمٍ في سماء ظلت طويلاً مظلمة. ناجي أبو نوار، في أول عمل روائي طويل له يصنع فيلماً عن اللحظة التي تنتهي فيها الطفولة وتبدأ فيها الوحشية، عن اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أن العالم مذبح مفتوح. في إطار مغامرة درامية في الصحراء العربية عام 1916 خلال فترة الخلافة العثمانية ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، يتناول قصة الفتى البدوي “ذيب” وشقيقه “حسين” اللذين يتركان قبيلتهما في رحلة محفوفة بالمخاطر في مطلع الثورة العربية الكبرى، حيث تعتمد نجاة ذيب من هذه المخاطر على تعلم مبادئ الرجولة والثقة ومواجهة الخيانة. الفيلم يبدأ بلقطة بسيطة: طفلٌ صغير يُعلّم أخاه الأصغر كيف يذبح الخروف بالسكين، وهما يرددان معاً “بسم الله”. هذه الدقيقة الأولى تحمل كل الفيلم في جوفها. الذبح هو الدرس الأول والأخير في فن البقاء. ذيب “جاسر عيد” الذي لم يتجاوز الحادية عشرة، يتعلم أن الرحمة لا مكان لها في الصحراء، وأن الدم هو اللغة الوحيدة التي تفهمها الأرض القاحلة. ما يميز “ذيب” أنه يحكي قصة نضج قسري، لا يوجد بطل ينتصر في النهاية، إنما طفل يتحول إلى ذئب لأن الذئب هو الشيء الوحيد القادر على البقاء. الفيلم يرفض تماماً الرومانسية الاستشراقية التي رسخها لورانس العرب وأتباعه. لا توجد موسيقى شرقية درامية، ولا مشاهد بطيئة للجمالين على ظهور الخيل تحت غروب الشمس. الصحراء هنا عدو شرس، حارة نهاراً، ومليئة بالخونة والموتى الذين لم يُدفنوا بعد. الإخراج يعتمد مبدأ “القليل هو كثير” فالكاميرا لا تتحرك إلا لضرورة درامية، والمونتاج يترك المشاهد تتنفس طويلاً، كأن ناجي أبو نوار يريد أن نشعر بثقل الرمال على أقدام ذيب نفسه. المشاهد الليلية مضاءة فقط بنار المخيم أو بضوء القمر، مما يجعل الظلام شريكاً فعلياً في السرد. وعندما يأتي العنف يأتي مفاجئاً وبدون تحذير موسيقي، تماماً كما يحدث في الواقع: طلقة نار، وصرخة مكتومة، وصمت. أما التمثيل فهو معجزة بحد ذاتها، جاسر عيد هو “الذيب”. عيناه الواسعتان تحملان براءة الطفل ودهاء الذئب في آن. لا يوجد مبالغة ولا نبرة درامية زائدة. حتى عندما يبكي، يبكي كما يبكي الأطفال البدو: بصمت، ويمسح الدموع بكم القميص بسرعة لأن البكاء عيب. باقي الممثلين، جميعهم من البدو الحقيقيين، يحملون وجوهاً محروقة بالشمس، متشققة كالأرض التي يعيشون عليها. الفكرة المركزية في الفيلم ليست الثورة العربية ولا الاستعمار البريطاني، رغم أن كلاهما موجود في الخلفية، الفكرة الحقيقية هي فقدان البراءة كشرط للنجاة. ذيب يبدأ الفيلم طفلاً يلعب بالحجارة ويسرق التمر، وينتهي رجلاً يقتل ببرود ويترك جثة صديقه السابق للنسور، هذا تحول لا يُبرر ولا يُدان. السيناريو الذي كتبه ناجي أبو نوار مع باسل غندور يرفض إعطاءنا تفسيراً أخلاقياً جاهزاً. هل “ذيب” صار وحشاً؟ أم صار إنساناً بالغاً؟ السؤال يبقى مفتوحاً وهذا هو عبقرية الفيلم. من الناحية البصرية يستخدم المصور “وولفغانغ تالر” ألواناً باهتة، ترابية، كأن الفيلم نفسه مصنوع من رمال وادي رم. السماء دائماً رمادية أو برتقالية محترقة والأفق دائماً بعيد غير قابل للإدراك. هذا الخيار يجعل من الصحراء شخصية ليست مجرد خلفية. الصحراء تلتهم الجميع في النهاية: البريطاني، والثوار، واللصوص، وحتى الأطفال. الصوت أيضاً عنصر درامي، فقط أصوات الريح، وحفيف الرمال، وصهيل الجمال، وأحياناً طلقات الرصاص البعيدة. في إحدى أجمل اللحظات، نسمع صوت قطار الحجاز من بعيد كأنه شبح من عالم آخر يقترب، ذلك الصوت هو الوحيد الذي يربط عالم البدو التقليدي بالحداثة القادمة التي ستبتلعهم جميعاً. “ذيب” عن كل طفل اضطر أن يصبح رجلاً قبل الأوان، في سوريا أو العراق أو اليمن أو غزة. عن كل طفل تعلم أن الخُطار قد يكونون خونة، وأن الرفقة قد تنتهي بطلقة في الرأس. عن كل طفل اضطر أن يدفن طفولته في حفرة ضحلة في الصحراء ويمشي بعدها وحيداً. عندما يعود ذيب في النهاية إلى القبيلة، لا يوجد احتفاء ولا ترحيب حار، فقط نظرات صامتة وفهم عميق. لقد عاد لكنه لم يعد هو. الذئب الصغير صار ذئباً كبيراً والثمن هو روحه. هذه النهاية المفتوحة المؤلمة هي ما يجعل الفيلم تحفة. لا انتصار، ولا هزيمة، فقط بقاء. ذيب (2014) فيلم أردني يعتبر من أهم الأفلام العربية في القرن الحادي والعشرين، فيلم يثبت أن السينما العربية قادرة على المنافسة العالمية بالرؤية الفنية الحادة. فيلم يذكّرنا أن أجمل القصص وأقساها تأتي دائماً من الأماكن التي نظن أن لا قصص فيها إذا كانت السينما مرآة للروح الإنسانية، فإن ذيب مرآة مكسورة، لكنها تعكسنا بوضوح مخيف.