جرت العادة على تأليف الكتب والمقالات المعنية بتعليم أسس الكتابة البحثية العلمية وتطبيقاتها، وإقامة الدورات، وتخصيص مواد يقدمها أساتذة ثقات في برامج الدراسات العليا في الجامعات، ومع ذلك، كان ولا يزال البحث العلمي يعاني من غياب السؤال العلمي/النقدي الحقيقي ما أدى إلى جمود معرفي يفتقر للإضافة النوعية ويبتعد عن الإصالة-إلا فيما ندر-فانتقلت الأطاريح البحثية من بناء حقيقي واستثمار لجهود القدماء إلى تمرين شكليّ للنجاة من متطلبات التخرج والترقية! في مقالي هذا سأناقش الموضوع على طريقة الحكمة العربية البليغة: “بِضِدِّهَا تتميز الْأشياء”، فهي كما نرى تحمل سرًا مهمًا من أسرار المعرفة يفيد بأن إدراك حقيقة الشيء وفهمه يتضح بشكل أكبر عندما يُنظر إلى نقيضه أو ما يخالفه؛ فالشجاعة تُعرف عند مواجهة الجُبن، والقوة تُختبر بتحدي الضعف، والنجاح يظهر في تجاوز الفشل! وهذا بلا شك منهج فكري ناجع إذا طُبق بشكل واعٍ، وبأهداف مرسومة. ولأن الخطأ هو طريق للصواب سأنقل الفكرة الرئيسة للحكمة أعلاه من التجريد إلى التمثيل وأوظفها في مجال الكتابة البحثية الأكاديمية من خلال طرح السؤال الآتي: كيف تكتب بحثًا علميًا فاشلًا؟ طرح أ. ب. مارتينيش في كتابه “مقدمة في الكتابة الفلسفية” في أحد فصوله هذا النموذج الفريد في التعليم بقوله “سأذكر الأساليب التي ينبغي لك تجنبها في بداية مقالتك بدلًا من الأساليب التي ينبغي أن تبدأ بها...”، وهي طريقة ذكية في كسر الألف المعرفي في التعليم والبدء بما لا ينبغي لينكشف لك ما ينبغي! لكنه لم يتعمق فيها، بل كانت جزءًا من عملية التجريب التي مارسها في كتابه لتعليم الكتابة الفلسفية واقتصرت على فصل واحد فيه. وعند ترجمتي لكتاب مارتينيش بالتعاون مع منشورات نادي الكتاب، شعرتُ بأن الكاتب لو اعتمد على أسلوب ‘بضدها تتميز الأشياء’ ووظفه بعمق، لكان أجدى في عملية التعلّم، لأن النفس البشرية تنفر من التلقين المباشر وتنجذب إلى المفارقة. لهذا سأوسع من هذا الأسلوب، وسأكتب مقالاتي على ضوء هذا الكتاب لكن من منظور الخطأ قبل الصواب والمحظور قبل المسموح! فحتى نفهم كيف نكتب بحثًا حيًا يجب أن نعرف أولًا لماذا تموت الأبحاث؟ قبل الخوض في تفاصيل البحث سأبدأ بسؤالك أيها الباحث الفذّ ما يلي: هل من الضروري معرفة لمن تكتب بحثك؟ ومن هم الجمهور المُستهدف؟ كثير من الباحثين لا يعنيهم الجمهور، ويكتفون بنظرة المحكم وقبوله؛ لأن الجمهور وهم، والمحكم هو الحقيقة. قد يكون ذلك صحيحًا من ناحية وخطأً من نواحٍ أخرى؛ جرب كتابة نص متوسط الطول وضع في اعتبارك أن قارئه هو شخص واحد أو بضعة أشخاص، ثم أعد كتابته مع اليقين بأن قراءه هم المهتمون بموضوعك من كل الأوساط الأكاديمية والثقافية المحلية والعالمية! ثم قارن بين النصين هل اختلفا؟ ولماذا؟ التأمل في كتابتك يفضي بك إلى سؤال أكثر جوهرية: كيف يؤثر جمهورك المستهدف على تماسك أطروحتك، وأصالتها، وقوة حججك، واتساقها المنطقي؟ فكر معي في المثال الآتي لتصل إلى الإجابة بنفسك: إذا جلست على طاولة البحث لمناقشة أطروحة أو فكرة مع شخص واحد أو عدة أشخاص، إلى أي مدى يمكن أن تتبلور تلك الفكرة في ذهنك؟ وإذا طُرحت الفكرة نفسها في مدرج علمي مكتظ، وأُخذ بها ورُدَّ عليها ونُقِّحت، فما دور الأسئلة النقدية والفكرية في سبر أغوار موضوعك، وفتح مسارات جديدة لا تقتصر على التحليل فحسب، بل تمتد إلى التنظير والتمثيل؟ عدم التفاتك لقرائك هو انسحاب صامت من الدوائر العلمية الحقيقية، وقذف ببحثك إلى رفوف النسيان، وهو السبب الأول لضعف بحثك وفشل اطروحتك، فأنت هنا كمن يقف أمام المرآة يحدث صورته ولا يسمع إلا صدى صوته!