العقول المستأجرة في زمن «تشييء» الحقيقة.
لم تعد الحقيقة تعبر في الضوء كما كانت قبل أن تستقروتبقى في الزاوية الأشد وضوحا فيه. الحقيقة الآن تتحرك في المساحات الرمادية، بلا ملامح حادة، بلا صوت يُخاصم. لا تُنفى ولا تُكذَّب، بل تُعاد صياغتها بهدوء، وتُهذَّب حتى تصير قادرة على الإرباك. تمرّ علينا خفيفة، لطيفة مألوفة. في هذا الزمن، لا تُروى الوقائع لتُفهم، بل لتُدار. تُقتطع من سياقها، وتُلبس لغة مطمئنة، ثم تُقدَّم إلى الوعي كما تُقدَّم الهدايا المغلّفة، نمدّ أيدينا إليها بثقة، دون أن ننتبه أننا لا نتلقى خبرًا، بل يُعاد ترتيب شعورنا، وتُوجَّه زاوية نظرنا، خطوة بعد خطوة، نحو موقف أعيدت صياغته بصورة كاملة . لم تكن فضيحة جفري إبستين مجرّد كشف أخلاقي، بل مرتكز يكشف طبيعة علاقتنا بالحقيقة . في السابق صورة واحدة كانت تُدين، واسم واحد كان يخلخل منظومات، ووثيقة واحدة كانت تكفي لفتح باب المساءلة. الحقيقة كانت قادرة على الفعل. كان لها أثر، وكان لها ثمن. اليوم، لم تعد الحقيقة تهم ، ولا من المتورط الحقيقي؟ اليوم أصبح السؤال: كيف ستُدار الحقيقة بثوبها الجديد ؟ ومن سيلبس هذا الثوب ؟ من ستُستخدم ضده؟ من ستُخفف عنه؟ من ستتحول قضيته إلى ورقة تفاوض؟ ومن ستُستثمر مأساته كهدية سياسية أو إعلامية؟ لم تعد الحقيقة مقصدًا، بل أداة. ما نعيشه ليس زمن إنكار الحقيقة، بل زمن تشييئها. تُفكك الوقائع، تُفصل عن سياقها، ثم يُعاد تركيبها بما يخدم ميزان القوة. تُقدَّم على هيئة تُهم جاهزة، أو اعترافات مركبة ، أو تسريبات محسوبة التوقيت. الحقيقة هنا لا تُطلب لذاتها، بل لما يمكن أن تُنتجه: ضغط، ابتزاز، تشهير، أو تبرئة صامتة. لا نتهم التكنولوجيا، التكنولوجيا لم تخترع هذا السلوك، لكنها جعلته أكثر كفاءة، وأقل كلفة، وأكثر خبثًا. الذكاء الاصطناعي لا يصنع المؤامرة، لكنه يمنحها لغة أنعم، وصورة أدق، وسردية أكثر قابلية للتصديق. لا يكذب، بل يُحسّن الكذب. لا يزوّر، بل يجعل التزييف مقبولًا، بل متوقعًا، حتى يفقد الشك معناه، ويتحوّل من أداة تحرر إلى حالة شلل. في هذا المناخ، لم تعد الحقيقة صادمة، لأنها دائمًا قابلة للتأويل. ولم يعد الكشف لحظة فاصلة، لأنه دائمًا قابل للنقض. وهكذا، لا تنهار الحقيقة دفعة واحدة، بل تُستنزف تدريجيًا، حتى تصبح مجرد محتوى، مجرد مادة تداول، مجرد حدث يمرّ ثم يُستبدل بغيره. الأخطر من ذلك أن هذا كله لا يُفرض علينا قسرًا. نحن لا نُقمع، بل نُدار. عقولنا لم تعد ساحات تفكير، عقولنا باتت بيوتًا مستأجرة: تدخلها السرديات، تُعيد ترتيب أثاثها، وتغادر من دون أن تترك أثر اقتحام. نعتقد أننا نكوّن آراءنا، بينما نحن في الحقيقة نستهلك مواقف صُممت مسبقًا. ما نغضب له، وما نتعاطف معه، وما نصمت عنه، يُوزَّع علينا بدقة، تحت لافتة المعرفة والاطلاع. هنا تتجاوز الأزمة حدود الأخلاق والتقنية. إنها أزمة موقع الإنسان نفسه. الإنسان الذي كان شاهدًا، صار جمهورًا متلقيا. والذي كان يحاكم الوقائع، صار يتفاعل معها. والذي كان يبحث عن المعنى، صار يكتفي بالرواية الأكثر تداولًا. ليس لأن الحقيقة غابت، بل لأن كلفتها المعرفية صارت أعلى من رغبتنا في تحمّلها. في زمن تُشيَّأ فيه الحقيقة، لا يُستعبد الإنسان بالكذب، بل بأن يُقنع أن كل شيء قابل للبيع، حتى وعيه. وحين تُستأجر العقول، لا يعود السؤال: ما الحقيقة؟ بل: لمن نعمل ونحن نظن أننا نفكر؟ أمام هذا المشهد، قد يبدو أننا نواجه أزمة معاصرة غير مسبوقة، فرضتها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. غير أن جوهر الإشكال أقدم من ذلك بكثير. فالمشكلة لم تكن يومًا في كثرة الأخبار، بل في طريقة تلقيها. ولم تكن في وفرة الروايات، بل في غياب التثبّت. فحين يقول النص القرآني: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ فهو لا يعالج حادثة بعينها، ولا يُنظّر لعصر دون آخر، بل يضع منهجًا دائمًا للتعامل مع الخبر، أيًا كان مصدره، وأيًا كانت وسيلته. التبيّن هنا ليس إجراءً تقنيًا، بل موقفًا أخلاقيًا ومعرفيًا في آن واحد: تعليق الحكم، ومقاومة الاندفاع، وتحميل النفس مسؤولية الفهم قبل التصديق. في زمن تُشيَّأ فيه الحقيقة، ويُعاد توظيفها كأداة نفوذ، يصبح هذا المبدأ أكثر إلحاحًا لا أقل. فـ“الفاسق” اليوم قد لا يكون شخصًا، بل منظومة، أو خوارزمية، أو سردية مُحكمة الصنع، تُقدَّم بثوب الحياد، بينما تحمل في داخلها توجيهًا خفيًا. والتبيّن، في هذا السياق، ليس رجوعًا إلى الماضي، بل استعادة لسيادة العقل. ربما لا نستطيع إيقاف تشيّؤ الحقيقة، ولا تعطيل أدواتها، لكننا نستطيع أن نمنع اكتمال حلقتها الأخيرة: أن تمرّ عبرنا بلا مساءلة. ففي اللحظة التي نتوقف فيها عن التبيّن، لا نكون قد خُدعنا فقط، بل تنازلنا. وحين تُستأجر العقول، يكون أول عقد للإيجار هو التفريط في هذا الحق البسيط: حق التوقّف قبل التصديق. وسط هذا التشظي، لا تكون النجاة فعلًا فرديًا معزولًا، ولا قرارًا أخلاقيًا معلقًا في الهواء. فالوعي، حين يُترك وحيدًا، يسهل استئجاره، وحين يتكسر إلى أفراد معزولين، يسهل توجيهه. إن أخطر ما تصنعه منظومات إدارة الحقيقة ليست صناعة الكذب بصورته الساذجة ، بل بتفكيك الروابط التي كانت تمنح المعنى مقاومته: الثقة، والحدّ الأدنى من التماسك، والقدرة على التوافق ، الصبح الموضوع أكثر تعقيدا وأبسط ترويجا. في التموضع الجمعي ليست الوحدة هنا شعارًا، بل ممارسة عقلية؛ أن نختلف دون أن نُستدرج، وأن نتباين دون أن نُستثمر، وأن نحتفظ بمسافة كافية بين الخبر وردّ الفعل. فحين تُدار الوقائع لتفتيت الوعي الجمعي، يصبح التماسك فعل مقاومة، ويغدو الامتناع عن الانسياق الأعمى شكلًا من أشكال الدفاع عن العقل، لا عن الرأي.