المعلم الذي كان مديرًا، أم المدير الذي كان معلمًا!؟
تُعدّ المدرسة وحدة متكاملة تتداخل فيها الأدوار التدريسية والقيادية، غير أن الملاحَظ في بعض البيئات التعليمية بروز نمط انتقالٍ غير مدروس من مهنة التدريس إلى الأعمال الإدارية (وكالة المدرسة أو إدارتها)، وهذا الانتقال بطبيعة الحال، لا تحكمه معايير مهنية دقيقة، مما أحدثَ إشكالاتٍ تمسُّ جودةَ التعليم وكفاءة القيادة المدرسية، ويستدعي هذا الواقع قراءة تحليلية تتجاوز التفسير التبسيطي، وتؤسّس لمعالجةٍ منهجيةٍ تعيدُ التوازنَ للمسار المهني داخل المدرسة. إنَّ الانتقال إلى العمل الإداري ليس خللًا في ذاته؛ فهو مسار مهني مشروع، بل وضروري لضمان وجود قيادات تربوية قادرة على إدارة المدرسة بفاعلية، أو هكذا هو العرف السائد في أوساط الإدارات التعليمية التي أوجدت هذه الأنماط وأيدتها منذ عقود من الزمن، غير أن الإشكال يظهر حين يصبح هذا الانتقال مُنفذًا لتعويضِ قصورٍ مهني في التدريس، أو وسيلة للهروب من ضغوط الفصل، والوقوف أمام السبورة، ومساعدة الطلاب، وتعليمهم، والصبر على تزويدهم بالمهارات التعليمية اللازمة، فيكون المعلم الذي انتقل إلى وكيل/ مدير، انتقلَ دون امتلاك الكفايات القيادية اللازمة، هنا يتحول المسار الإداري من كونه اختيارًا تخصصيًا إلى خَيارًا بديلاً غير منضبط. ولأنّ الشيء بالشيء يُذكر، فقد حاولت أن توجد الإدارات التعليمية حلا لهذا الخلل، بابتكارها برنامج التشكيلات الإشرافية والقيادية، والتي توحي أنّ هناك تأهيل جاد للراغبين في العمل الإداري (مشرف، وكيل، مدير، موجه ...إلخ)، وفي الحقيقة، لم أرَ بل لم أجدْ أثرا ملموسا لهذا البرنامج، فلا تزال المشكلة قائمة، ولا يزال الترشيح للأعمال الإدارية في المدارس، لغرض سدّ فراغ، أكثر من كونه متطلّب حقيقي لمهارات الشخص الموضوع في هذا المكان الأكثر حساسية، والأدق إنتاجية إن صحّت العبارة. ويمكن تفسير هذه الظاهرة عبر ثلاثة أنماط من الدوافع هي: دوافع مهنية إيجابية، تتجلى في رغبة بعض المعلمين في توسيع أثرهم التربوي من مستوى الصف إلى مستوى المدرسة، مستندين إلى مهارات تنظيمية وقيادية حقيقية، وجادة، ودوافع ظرفية، ترتبط بالاحتراق الوظيفي، أو ضغوط البيئة الصفية، أو زيادة الأعباء التدريسية، مما يدفع المعلم للبحث عن دور مختلف داخل المؤسسة، معتقدا أنه سيكسب خبرة جديدة، في حين أنه يزيد على نفسه أعباءَ جديدة، وليس المقام ههنا بذكر الفرق بين الخبرة وبين العبء في المسيرة المهنية! ودوافع أخيرة تعويضية، وهي الأكثر إشكالية، حيث يلجأ بعض ضعيفي الأداء التدريسي إلى العمل الإداري لتجنب التقييم المباشر داخل الفصل، أو بحثًا عن مكانة وظيفية دون تأهيل كافٍ. وعلى ضوء ما سبق، فإنَّ مكمن الخلل المؤسسي، لا يكمن في الأفراد بقدر ما يتمثل في غياب منظومة مؤسسية واضحة تميّز بين المسارين التدريسي والقيادي، ويتجلى ذلك في عدم وجود معايير ترشيح وتقويم منضبطة عند اختيار القيادات المدرسية، وأيضا عدم وجود مسار مهني متقدم للمعلم المتميز يوازي في حوافزه ومكانته المسار الإداري، بالإضافة إلى انعدام اعتماد بعض القرارات على الأقدمية أو العلاقات المهنية بدل الكفاءة الموضوعية. ونتيجةً لهذا الانتقال السابق، فإنّ الآثار التربوية المترتبة والمتوقعة، عندما يُسند العمل الإداري لغير المؤهلين من المعلمين، ما ينعكس سلبًا على جودة القيادة المدرسية، وتضعف فاعلية اتخاذ القرار، ناهيك عن خسارة الميدان لكفاءة معلم دون أن يكتسب صفة القائد المؤثر، هنا تتشكل ثقافة مؤسسية ترى في الإدارة ملاذًا وظيفيًا، لا مسؤولية تخصصية قائمة على الكفاءة، والإنتاجية، وهذه الحالة، تكاد تكون حالة واقعية في معظم المدارس، وإن نجح معلم واحد من مائة معلم في إدارة المدرسة، فإنّ لدينا تسعة وتسعون معلما، فشلوا في التعليم من جهة، وفي إدارة مدارسهم من جهة أخرى. ولمعالجة هذه الظاهرة قبل استمرارها وتفاقمها دون معالجة ميدانية جادة، يمكن على الإدارات العليا على الأقل تبنّي حزمة من الإجراءات المتكاملة، تتمثّل في: إعادة هيكلة المسارات المهنية، واستحداث مسارين واضحين: مسار خبير تدريس وهذا المسار يمنح المعلم المتميز امتيازات مهنية وماديّة دون الحاجة للانتقال إلى الإدارة، عبر تقديم استشارات جوهرية تساهم في تأطير القرار الإداري بأسلوب مهني واحترافي، ومسار قيادي، يتطلّب اجتياز معايير واختبارات محدّدة. ويجب أن يُنظر في المرشح للعمل القيادي أن يكون مَن أثبت تميزه في التدريس، باعتباره الأساس الذي تُبنى عليه القيادة التربوية، مع تطبيق مراكز تقييم قيادية وفاعلة؛ لاعتماد أدوات علميّة لقياس هذه المهارات، وعلى سبيل المثال لا الحصر: (التخطيط، واتخاذ القرار، وإدارة الفرق، وحل المشكلات...إلخ)، ثم التأهيل المهني المستمر، والذي فيه تستحدث برامج تدريبية متخصصة للراغبين في الانتقال إلى العمل الإداري، تسبق التكليف الفعلي، وإتاحة العودة المرنة للمسار التعليمي في حال عدم تحقق الكفاءة القيادية، بما يحفظ جودة الأداء المؤسسي. إنّنا الميدان التعليمي اليوم بحاجة حقيقية لبناء ثقافة مهنية متوازنة، بحيث يُنظر إلى التدريس باعتباره مهنة تخصصية ذات قيمة عالية، لا مرحلة انتقالية نحو الإدارة، كما ينبغي ترسيخ فكرة من قبيل: أنّ القيادة التربوية مسؤولية نوعية، لا تُمنح إلا لمن يملك أدواتها، الحقيقية، وإذا ما تبيّن افتقار العامل فيها لأبجدياتها الأساسية فإنه وعلى الفور يستبعد من كرسي القرار، ويُستفاد من خبرته وطاقته في الميدان التعليمي، والتأكّد من احتياجه للبرامج التدريبية المكثفة في التدريس والتربية، لضمان بقائه في التدريس للإنتاجية وتحقيق الأثر المطلوب. ظاهرة الانتقال غير المنضبط من التدريس إلى الإدارة ليست مجرد سلوك فردي، بل انعكاس لثغرة تنظيمية واضحة في إدارة المسارات المهنية، ومعالجتها لا تكون بالمنع أو الاتهام، وإنّما ببناء نظام مهني واضح وصريح، يضمن أن يبقى كل مسار في يد من يستحقه، بذلك فقط تتحقق جودة التعليم، وتتكامل الأدوار داخل المدرسة في إطار تنظيمي منضبط، ملؤه الكفاءة والاحترافية، والإنتاجية، وأن تتجاوز المدارس مرحلة سيئة من مراحل هذا الانتقال الذي بدأنه في هذا المقال، والسلام. * معلم في الميدان وأخصائي التقويم المدرسي, عضو في المجلس الاستشاري للمعلمين.